Posted by: Saad Aldousari | سبتمبر 18, 2014

٢٠ حقيقة عني (بلهجة عامية)

photo (4)

١- أقدر الفنان، أكثر من الفن. أقدر الإنسان اللي عنده كاركتر ولايف ستايل أنيق وفريد وغريب.

٢- أحب نمط الحياة البسيط، يسمونها فلسفة المينيماليزم: تعيش حياة أغنى بأشياء أقل. مساحات منزلية أوسع، ديكور أقل، قيمة أكبر.. لا يوجد مشتتات أو تكلفات للمجتمع. ما عندي اهتمام بالسيارات أو الملابس الغالية.

٣- السفر لوحدي والجلوس لوحدي شيين أهواهم ويغذوني.

٤- جوانب الضعف واضحة في شخصيتي لكن جوانب القوة هم واضحة بعد.

٥- أعرف أتعلم، بسرعة أتعلم، ذكي.

٥- اهتماماتي في جانب الفلسفة والفكر بدت معاي من مرحلة الثانوية. أحب فكرة الفلسفة نفسها: التفكير في التفكير، تطور الفكر الإنساني، المصادر الأساسية للعلوم، بعض فروع الفلسفة الرئيسية (الأخلاق، الميتافيزيقا، نظرية المعرفة). طبعاً أستمتع بالطرح المعاصر أكثر. أكثر من يمثلني هو الفيلسوف العظيم: كين ويلبر.

٦- جملة عادة أصف نفسي فيها: منفتح فكرياً، محافظ اجتماعياً. فكري وعقلي لي، وتعايشي أراعي في المجتمع والأسرة.

٧- الناس ماخذين عني صورة اني منظم ومخطط، وهذا صحيح، لكن اللي يراقب حياتي يعرف حجم التغيرات اللي فيها. تجاربي أتعلم منها جداً جداً جداً، وأعتز بهالشي.

٨- لو بعطي شخصيتي عمر راح أعطيها ٥٠ سنة. شايب، لكن شايب أسترالي مو كويتي. متعلم ونفسيته حلوة ومنفتح عالدنيا ومتحمس لها.

٩- النوم عندي ضروري وآخذ راحتي فيه.

١٠- ما عندي التزامات اجتماعية. هالشي مو عاجبني ١٠٠٪ بس مرتاح وعايش حياة مقتنع فيها. ما أحضر مناسبات ولا دواوين، وأحياناً ما أرد على ربعي، واللي يقدروني يدرون، ومشكورين انهم ليلحين ربعي.

١١- سياسياً عندي اهتمام خفيف بالمشاركة العامة جداً. ما عندي اهتمام بالقضايا اليومية للشارع السياسي على قولتهم. نطاق السياسة بشكل عام أشوف انه فيه فساد كبير لدرجة انه الإصلاح من خلاله وهم أو ضئيل جداً جداً. ما عندي اهتمام في المجتمع أو الدولة. اهتماماتي بالفرد كوحدة للدراسة والملاحظة والتجربة.

١٢- عندي احترام للعلم وعالم الأكاديميا. أعتبرهم أدوات عظيمة لملاحظة الحقيقة، لكن ما أعتبرهم بوابات الحقيقة الحتميين. وبالنسبة لي اللي ما يقدرون العلم والعقلانية والبحث الأكاديمي بأي حجة كانت (روحانية، دين، الخ) ما عندهم وعي عالي.

١٣- أعتقد أن الجزء الأكبر من جميع الأديان وخصوصاً المنظمة عبارة عن تجربة بشرية من التنظير والتفسير والتطبيق.

١٤- لي أكثر من تجربة دراسة أو حضور برامج تدريب في فرنسا (ست شهور) وبريطانيا (أكثر من مرة) وغيرهم في التعامل مع أجانب. كان عندي هواية التعرف على أجانب وتجميع علاقات والتواصل. من سنة قل هالشي بشكل كبير. صرت أختار بانتقائية أكثر. وحتى قل اهتمامي عموماً اني أتعرف على ناس.

١٥- إيزي في علاقاتي مع البنات في نطاق الزمالة أو التجمعات العامة لكن عندي تحفظ في نطاق المساحات الشخصية.

١٦- بشكل عام ما أقدر وايد “اعتراف المجتمع” فيني. مثلاً ما حضرت حفلات تخرجي (الثانوية أو الجامعة)، ما كلمت أهلي لما طلعت بالتلفزيون أو لما توظفت أو حضرت سفرة مؤتمر الخ.. ما عدا أمي، أحب تقديرها لي. ويدتي بعد.

١٧- أحب أمي وابوي واخواني وخواتي وعيالهم.

١٨- د. صلاح الراشد أثره في حياتي كبير. ينورني ويفتح مداركي ويطور شخصيتي. أحترمه وأقدره وأحبه. لا تحكمون عليه من كلامه؛ نظريتي تقول ان ما طلع ٥٪ من اللي عنده.

١٩- أكثر مجالين أحبهم علم النفس والفلسفة (طبعاً مدارس معينة وجوانب معينة منهم). قبل لا أدخل الجامعة كانت خياراتي إني أتخصص فلسفة أو إعلام. والحمدلله اني دخلت إدارة أعمال، لأنه تخصص عملي داش بالحياة وجانب كبير منه مترابط مع علم النفس. وأذكر ان خالي كان يحاول يقنعني فيه وأنا معاند، أبي أدش إعلام. وبعدين فجأة وقت التقديم اخترت إدارة أعمال.

٢٠- بالبيت اخوي الكبير يقول عني زاهد، وحدة من خواتي تضحك علي ان كل شي ما يفرق عندي بالأكل ومادري شالسالفة لما أشوف مسلسل معاهم، وأختي الصغيرة تضحك علي وتقول سوالفي والناس اللي أعرفهم سخيفين. بشكل عام الحياة حلوة.

Posted by: Saad Aldousari | سبتمبر 12, 2014

رغبة العقل ورغبة الروح

The-best-top-desktop-dolphin-wallpapers-hd-dolphins-wallpaper-10

عقل وروح..؟

نفرق بين العقل والروح، وكأننا نعرف أي منهما.

نحن لا نعرف، ولكن لمَ نفعل ذلك؟ لأننا نعرف في حدسنا الغامض أن هناك هويتان نتبناهما؛ واحدة تقلصنا، تحجمنا، تردينا، والأخرى تعمقنا، توسعنا، وتنضجنا. قد نسمي الأولى العقل (أو العقل السفلي)، والأخيرة الروح (أو العقل العلوي). لا تهم الاصطلاحات. الروح هكذا من دون ملكية تسيح في الوجود وكأنها تعرف حدساً ما هو الصحيح، وما هو الجميل، وما هو الحقيقي. أما العقل فكأنه قناع، دخيل على الروح، يتميز بالذكاء ولكن يفتقد إلى العمق، يتميز بالعقلانية والحساب ولكن يفتقد إلى البصيرة.

كلا من العقل والروح له دوره، فنحن لسنا بصدد تدمير أحدهما (ربما تكون هذه فكرة آتية من العقل). ولكن ما وددت أن أطرحه هنا هو أن كلا من العقل والروح له نداءاته الخاصة.

مصدر الأفكار

كيف نعرف من أين أتتنا فكرة؟ كيف نعرف ما إذا كانت الرغبة آتية من عالم الروح؛ من همس ملاك، أو نبوءة نورانية، أو لحظة اتحاد إلهية؟ أو إذا ما كانت الرغبة آتية من عالم العقل السفلي؛ من حاجة نفسية، أو رغبة أنانية باطنية، أو برمجة عمياء؟ كيف نفرق بين صوت الروح وتفكير العقل؟ هذا سؤال أتجرأ بطرحه هنا، وسأحاول—بكل تواضع وحذر—أن أقدم إجابة له ذات معنى.

أنا تعلمت شيئاً من ذلك بالطريقة الصعبة. أخذت صفعات، لا أدعي أنها قاسية، ولكنها آلمتني وصقلتني. الروح لا تخاطبك بالكلمات. الروح تخاطبك من خلال الحياة. متى ما شعرت بالانسجام والاندماج والمتعة فأنت في وفاق، ومتى ما شعرت بالانزعاج والأسى والضياع فذلك كله خطاب الروح معك.

قد يتدخل العقل ليقوم بما هي بارع به: العقلنة، والتبرير، والتفسير. هل تعرف لغة العقل؟ لغته سهلة الاكتشاف، تسمى لغة المقارنات. سوف تهل عليك بالأفكار الحاذقة والمحسوبة. سوف يقنعك أن الدخل الأعلى يشتري لك سعادة أكبر، بالأرقام والحسابات والتسلسل الاقتصادي. ولكن ليس بالضرورة ذلك، لأنه قد يقنعك بالعكس تماماً. قد يقنعك أن الحياة الزهيدة تضمن لك السعادة “الحقيقية”. وهاهنا نقع كثيراً في الوهم متبعين سحر دهائه.

هل العقل شر؟

مرة أخرى، إن العقل ليس كيان شرير، وليس المطلوب منا تدميره. إنه ذكي فقط، لدرجة العمى. إنه يستخدم لغة التفكير للوصول إلى الوعي، وحسبما يبدو فإن هذه اللغة رديئة لهذا الغرض. إن الدخل العالي والحياة الزهيدة كلاهما قد يتزامن مع السعادة وقد لا يتزامن معها. وكيف نعرف حقيقة كهذه؟ تلك أحجية الحياة، نحن ببساطة لا نعرف كيف (بالمعنى العقلي لكلمة كيف)، ولذلك ظهر فرع كبير في الفلسفة يسمى الإبستمولوجيا، والذي يجيب على تساؤل: كيف نعرف؟ كيف نعرف أننا نعرف؟ كيف نثق بما نعرف؟ أسئلة فلسفية عميقة، وشاء الفلاسفة أن يخوضوا فيها تحت إرشاد العقل. لكن الروح لا تجيب على سؤال الكيف بالطريقة التقليدية، لأن لغتها تختلف. الروح لغتها الوعي، والوعي مستوى أعمق من الأفكار.

إن من الخطورة بمكان الاعتماد على العقل في معرفة الأشياء. العقل السفلي آلة تفتقد إلى الوعي. ولا تُفهم حقيقة الأشياء إلا بالوعي. كما أن جهاز الآيباد لا يستطيع أن يبدع لحناً أو يؤلف شعراً أو يرسم فنتازيا بنفسه، مهما تخزنت فيه ملايين البيانات والصور والموسيقات، فكذلك العقل لا يستطيع أن يصل إلى حقيقة عميقة أو قيمة عالية مهما حمل من النظريات والمعلومات والمهارات الاستنباطية. ذلك لأن مستويا البرمجة والتفكير يختلفان عن مستوى الوعي.

كيف تعرف الروح؟

الروح تعرف من خلال الاتصال. تحفظاً واعترافاً بجهلي، لا أعرف الاتصال بماذا بالتحديد. مجازاً سأقول الاتصال بالله، بالكون، وبالنفس. عندما تفهم الروح كيف تتناغم وتتفاعل هذه المنظومة الوجودية فإن الحكمة والنور والسعادة يتجلون في حياتها.

قد أكون أعدت نفسي ولكن للمرة الثالثة، جدير بالذكر هنا أن العقل والروح ليسا في صراع أو تناقض. إنه فقط كلما ارتقى العقل إلى مستوياته العليا فإنه يقتبس من نور الروح ويدرك حقائقها. العقل آلة، إما أن تسهل للروح مهمتها أو تعرقلها، مما يتسبب في إنشاء مشاكل وجروح على المستوى الشخصي. فالروح لن تتحدث معك بالكلمات، ولذلك ويا للأسف، سوف تتخذ إجراءات صارمة عندما لا تعي. سوف تسمح لك بأن تخوض تجربة مؤلمة، فقط حتى تعي أنها ليست طريق روحك، وأن خيارك الأنسب في مكان آخر. لا يستطيع العقل الوصول لمثل هذه الإدراكات والاستنارات، وبالتالي فأنا أدرك قيمة التدخل الروحي في إرشادي. العقل يحسب ويستنتج، ولكن بعد التجربة سوف تعي فعلياً، سوف تغير حساباتك، وقد تكتشف—ويا للمفارقة—أن الحسابات والعقلانية ليست اللغة الأصدق، كما يؤمن الماديون.

الروح تعرف. أنت يجب أن تعرف، أن تصمت وتستمع، أن تستيقظ دائماً، أن تتصل وتعي وتسترشد بالنور والحكمة. عوضاً عن أن تتعلم بالألم، وهو ما يحدث عندما تحاول الحياة تعليمك درساً لم تكن واعياً به، تعلم لغة الروح. تعلم أن تعي، أن تتواصل مع نفسك على مستوى أعمق.

Posted by: Saad Aldousari | مايو 24, 2014

قصة قصيرة: وردة

sweet_wildflower_JK114_350A

كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان. في عصر قديم، كانت فيه أمنا الأرض مليئة بالخضار. قبل أن يوجد الإنسان، كان هذا الكوكب ساكناً، ومريعاً في ذات الوقت، كما عودتنا الطبيعة دائماً بتجلي نقائضها. كانت الكائنات لا تسعى إلا لقوت يومها ومسكن يمكنها أن تسميه وطناً. عدا ذلك فهي تشقى للبقاء فقط على قيد الحياة.

في غابة أوربية، قبل أن تولد أوربا بملايين السنين، عاشت وردة هناك. بين أشجار الصنوبر الشاهقة وحشائش خضراء كثيفة تكاد تغطيها بالكامل. أنهار ضيقة تقطع هذه الغابة، وبحيرات ساكنة تكونت في أرجائها من جراء أمطار الشتاء.

وجدت وردة نفسها وحيدة في أرض طينية. ويحصل كل نهار أن تجف تلك الأرض تحت أشعة الشمس. ولذلك أحبت وردة ضوء الشمس، ذلك لأنه يمدها بالنور والدفء. في الحقيقة، أحبته لأنه يمنحها الوعي بما حولها؛ لأنه مكنها من أن ترى الحياة.

في الغابة لا يوجد سقف ولاجدران، ووردة لم تجد في نفسها القدرة على الحركة أو صناعة عش محمي أو منزل مغلق. في الغابة فضاؤك السماء ورحابك أراضٍ ممتدة. كانت وردة تترقب حفيف الهواء على أوراق الشجر، وتستمع جيداً لخطوات الدواب  من السناجيب والخنازير البرية، فضلاً عن هجمات الطيور المتوحشة. حتى السماء ملبدة بالغيوم الرمادية. أمر متوقع الحدوث في فصل الخريف من كل عام. نعم إنه عالمٌ موحش.

أحياناً من شدة الرياح ينكسر لوردة ساق، ولكنه سرعان ما يبرأ ويتشافى في اليوم التالي. أحياناً تغرقها الأمطار في الليالي المظلمة، ولكن سرعان ما تنتعش بالشمس في الصباح. إن ما يبقي وردة على قيد الحياة ليس قدرتها على التكيف والتوازن، ولكنه الشيء الذي يغذي فيها تلك القدرة؛ إنه إيمانها بجمال الحياة. رغم كل ما تراه وتمر به، فإنها في أعماقها ترى شمساً ذهبية وحقولاً خضراء وحركة كونية متناغمة. رغم جميع مخاوفها تجاه الظلام والعناء إلا أنها في كل يوم ترجع إلى نقطة عميقة فيها، تذكرها أنها لا شيء سوى أنها جزء من كل، لا شيء سوى أنها متحدة مع كل ما حولها من هذه الطبيعة المتقلبة، لا شيء سوى أنها الطبيعة ذاتها.

وما إن يأتي فصل الربيع حتى تجتمع مع مثيلاتها من الورود، زهرة وبتلة وعبير. إنها تجتمع مع تلك الكائنات التي لا ترغب بشيء إلا التعبير عن الجمال والأناقة. تتلامس أطراف الورود وتتشابك، فهو أشبه ما يكون باحتفال ديني خاشع. قد يكون هذا الفصل هو أوج الانسجام والتناغم ما بين وردة وجميع ما يحيطها من ورود وبتلات وأزهار. وفي كل ذاتٍ جديدة تقابلها تتعلم وردة معنى جديداً. جمال الحياة بالنمو.

وما إن تمضي فترة معينة في هذا الفصل حتى تقلب الحياة أحوالها، متدرجة، من اللون إلى الذبول، من الضوء إلى الظلمة. لكن وردة تعلمت، أن الحياة فصول وأحوال، وأن تعيش فصول الحياة خير لها من أن تنتظر الربيع، لأن عمق الحياة يكمن في لحظاتها، وانتظار الربيع يفقد الوردة جمال الحياة الذي تفوته في كل فصل.

وردة عادت وحيدة، فالأمطار اقتلعت صديقاتها الورود. لكن وردة عرفت أن وحدتها ليست إلا خوف من مواجهة الحياة. أدركت أنها في الحقيقة في اجتماع دائم مع الشمس والشجر والأرض والورق، بل وحتى السناجيب التي طالما كانت تخافها وجدت أنها تأتي للاستمتاع معها فحسب.

وردة ما عادت تخشى مواجهة الحياة. فما كانت تراه مظلماً صارت تراه ساكناً، وما كان مخيفاً صار وديعاً، وما كان خريفاً صار محطة مليئة بالحكمة والتجربة والإتحاد. أدركت وردة أن فصول الحياة ليست إلا محطات، أن فصول الحياة في الحقيقة ليست إلا الحياة ذاتها!

بهذه الروح صارت وردة تحب الحياة، وليس صورتها عن الحياة. في كل ربيع صارت تقابل أجمل الوردات، وفي كل خريف صارت تجالس ذاتها في سكون وامتنان. إنها صارت تدرك أن الحياة تتحرك في دورات فصلية، وفي كل دورة، تصبح وردة أكثر جمالاً. لمَ لا تحب وردة الخريف كالربيع إذاً؟ باتت وردة تحب جميع الحياة!

* أود تقديم شكر خاص لإنسان عزيز إلى قلبي، ألهمني بتطوير وكتابة هذه القصة. لك المحبة الخالصة من روح هذه الوردة.

Posted by: Saad Aldousari | مايو 9, 2014

معنى التجربة

bigstock-Spa-still-life-with-bamboo-fou-46701871

عندما يأتيني سؤال غايتي في الحياة، اعتدت أن أحمل إجابات محددة، وتلك الإجابات كانت تعبر عن وعيي ومنظومة قيمي ونظرتي الشخصية. الآن، أنا أكثر إيماناً أننا موجودون حتى نجرب. ما هي التجربة؟ من نحن في الأساس؟ وماذا نجرب؟ هذا ما أردت أن أتفكر فيه وأعرضه هنا.

معنى التجربة

هناك جانبان من التجربة؛ الجانب المجرد الخارجي والجانب الشخصي الداخلي. أما الجانب الخارجي فقد يكون موقفاً معيناً في الحياة، وأما الجانب الداخلي فهو نتاج وعي المجرب. وما أعنيه بالوعي هنا هو كل ما يحدث في العقل (وربما خارج العقل)؛ كل المعرفة والتفكير والقيم والذكريات والمشاعر والإدراك الذاتي. هذا الوعي هو ما يعطي التجربة الخارجية أثرها ومعناها.

هل التجربة حدث خارجي أم ظاهرة داخلية؟

نسبة ٠.٠١٪ فقط من التجربة يحدث في الخارج؛ نسبة ٩٩.٩٩٪ المتبقية تحدث في داخلنا*. ما يجعلنا نجرب التجربة هي عقولنا المعقدة. حدث قد يحدث في الخارج، ولكننا لا نجرب الحدث؛ نحن نجرب وعينا من خلال الحدث. نحن نصفي الأحداث الخارجية من خلال معتقداتنا وحتمياتنا، معارفنا المتراكمة، ذكرياتنا السابقة، مشاعرنا وأحساسينا، وكل المتغيرات الأخرى التي تحدث داخل عقولنا، وتشكل تجربة فردانية فريدة.

النسبة التي ذكرتها ليست قيمة رقمية صحيحة، فقد اخترتها بطريقة عشوائية وحدسية، ولكن القصد من النقطة وصل. هذا الأمر مهم للملاحظة لأننا تعودنا حينما نسمع كلمة تجربة فإن ما يخطر على بالنا هو حوادث خارجية، وذلك صحيح نوعاً ما، ولكننا نغفل عن الجزء الأعظم من التجربة، وهو الأحداث الداخلية التي تتزامن مع الحدث الخارجي. هذه التجربة الداخلية تحدث من خلال عملية معقدة، وهي التي تصنع وتشكل تجاربنا. إثنان يمرون في نفس الحدث يمكنهم أن يحظون بتجربتين متباينتين تماماً!

من نحن؟

نحن كائنات وجودية. نحن الوعي “الداخلي” الذي ينوي، ويراقب، ويجرب العالم “الخارجي”. هذا يعني أن تجاربنا لا يجب أن تقاس بحسابات خارجية ولكن بصفات داخلية. حضارتنا البشرية في عصر العلم والتكنولوجيا حولت الإنسان إلى آلة تطلب التجربة الخارجية وتفتقد إلى الوعي الداخلي في خلال تجربته.

الآن ندرك أننا لا نجرب الحياة، أو العالم، أو علاقة حديثة، ولكننا نجرب أنفسنا، نجرب وعينا الجديد تحت ظل مواقف الحياة المتعددة. وبالتالي فإنه يمكننا أن نحظى بتجارب غنية وعميقة من خلال التركيز على أنفسنا بدلاً من الأحداث الخارجية. يقال أن تجربة إلهية تمتد للحظات بسيطة يمكنها أن تحولك وتغير وعيك إلى الأبد.

تفكيك مستويات عمق التجربة

يمكننا أن نقسم مستويات عمق التجربة إلى أربع مستويات: الوعي بالأحداث الخارجية، الوعي بالعقل، الوعي بالمشاعر، الوعي بالوعي.

• الوعي بالأحداث الخارجية

هذه أدنى درجة. ليس هناك ثمة تجربة هنا. هذا المستوى هو الأكثر بعداً عن العمق، هو أكثر طبقة خارجية من التجربة. الكل يعرف من يقابل وماذا يعمل وما يحدث له من ظروف الحياة الخارجية. وذلك كل ما في الأمر. ليس هناك مساحة للوعي بالذات هنا. أي عقل بسيط يمكنه ذلك. هذه مرحلة الإنسان الآلي—المكينة المبرمجة. أفكار كثيرة، مشاعر مكبوتة، لا مساحة للوعي، وبالتالي لا مساحة للتجربة.

• الوعي بالعقل

في هذا المستوى يدخل الفرد درجة أعمق في التجربة. هو يحظى بتجربة لأنه اقترب من نفسه قليلاً. العائق الأكبر لتعدي المستوى الأول هو أن عقل الفرد يصبح مشغولاً بالأفكار والحوارات الداخلية، وبالتالي فإنه يضيع على نفسه المستويات الأعلى للتجربة. ولذلك تدعو الفلسفات الشرقية إلى سكون العقل وعيش اللحظة. ذلك لأن التجارب الأعمق مرتبطة بمشاعر عالية لا يمكن للعقول المشغولة الاستقرار بها.

عندما يتجاوز الفرد عقله فإن عالماً جديداً يتجلى أمام وعيه. العالم مختلف تماماً. إنه فعلاً وعي جديد. في سكون العقل تارة وانشغاله تارة أخرى، يمكن للإنسان أن يتنفس بعمق، أن يشرب الماء بتركيز، يأكل ببطء، يشم نسمة الهواء.. إنها تبدو من الخارج تجارب بسيطة إلا أنها مرحلة داخلية متقدمة. هناك مساحة للتجربة أن تنضج. هناك مجال لعلاقة أن تتعمق من خلال تواصل وانتباه أعمق. هناك وقت للاسترخاء، للهوايات، أو للحوارات العميقة.

• الوعي بالمشاعر

على الرغم من أن تجاوز العقل يعتبر خطوة هائلة في الوعي، إلا أنه ما زال هناك ما يشغل الإنسان ويسرق من طاقته، ويعتبر عائقاً لمرحلة أعمق من التجربة، وهو ما يسمى بالمشاعر. المشاعر هي بقايا من طاقات مكبوتة في الجسد. حتى عندما ترغب بألا تستمع لازدحام الأفكار في عقلك، ستجرك المشاعر وتمنع وعيك عن عيش تجربة أعمق. علاقة حب قديمة قد تشتت انتباهك من علاقة حالية إذا ما زالت هناك بقايا لمشاعر غير محررة.

تخيل عقلاً فارغاً وجسداً متحرراً من مشاعر الماضي (والمستقبل). تخيل أنك حر من أي فكرة، استشعر خفة جسدك. كيف هي تجربة الحياة الآن؟ كيف سيعمل العقل الآن؟ كم هي كمية التفاصيل التي ستلاحظها؟ كم هي كمية الأشياء التي ستراها، وتستشعرها، وتجربها؟

• الوعي بالوعي

تجاوز العقل مرحلة أعلى من تجاوز ظروف حياتك، وتجاوز المشاعر تعتبر مرحلة أعمق كذلك. إنه نهاية المعاناة كما يقول بوذا. وهي بوابة لمستوى أعمق من الوعي. الفكرة الشائعة أن أعمق مستوى للتجربة هو مستوى المشاعر (مثل الشعارات الشائعة: اجعل هذا الصيف أفضل تجربة. استمتع بالشمس والبحر و…الخ) هي فكرة ليست صحيحة كلياً. على الإنسان أن يتجاوز مشاعره حتى يحظى بتجربة أعمق.

عندما يكون الشخص متحرراً من ازدحام عقله، هادئاً، ومتحرراً كذلك من مشاعره، تصبح الحياة منعشة. هذا المستوى من الوعي ينتج عنه مستوى عميق من التجربة. عندما تكون واعياً لشيء ما فإن ذلك الشيء يفقد سلطته عليك. عندما تكون واعياً لازدحام أفكارك ستصبح ساكناً. عندما تكون واعياً لمشاعرك السلبية ستصبح خفيفاً. لا شيء يمكنه إثارة السلام الداخلي. السلام كبحيرة ساكنة، المشاعر والأفكار ومواقف الحياة ليست إلا تموجات دائرية على السطح فقط.

الوعي بالوعي يعني أنك واعٍ بكل ما يحدث في وعيك من حوادث خارجية، أفكار، مشاعر، وأحاسيس جسدية. وأكثر من ذلك، أن تعي بارتباط ذلك كله بالكون. أن تعي بوحدتك مع الكون، وأثرك فيه وعلى من فيه. أن تعي بنظام الوجود كيف يتحرك وكيف تتناغم وتنسجم معه. الوعي ليس تفكيراً، أنت لا تفكر في هذه الأشياء، لا تستطيع ذلك! أنت فقط تعي بها. عندما تعي، وفقط عندما تعي، فإن أي تجربة في الحياة تصبح غنية جداً، جداً. هنا تستلهم الحكمة، وهنا تلمس روحك جمال الحياة.

ستصبح حساساً جداً لكل ما يسحب طاقتك. ستتأثر بشكل أكبر بالحياة. ولا تخف، هذه علامة على الحياة. الأكثر حساسية أكثر عمقاً وأكثر حياة. هو ليس حساساً بأفكاره أو بحوار عقله السلبي أو بندب حظه المتعثر، ولكنه حساس تجاه مجريات الحياة في اللحظة. هذه من أعمق تجارب الحياة. وقد تكون هذه المرحلة هي مرحلة الإلهام والحدس والفهم العميق.

لا أقول أن هذه المراحل متتابعة حسابياً، واحدة تلو الأخرى. بشكل عام، كلما وعيت في جانب من جوانب حياتك فإن ذلك سيؤثر على جميع الجوانب، ولكن يمكن أن تكون في مراحل متباينة من جانب لآخر. قد تكون خبيراً في مهنتك، على سبيل المثال، ولكنك تفقد تجربة عميقة في جانب أخرى كالصداقة أو الحب. لتوضيح المسألة قليلاً، يمكن لشخص أن يحظى بتجربة غنية مهنياً، يعي بخبرته ومهارته، قواه وضعفه، قوة علاقاته، طاقته السياسية في العمل، قيمه العملية، ونجاحاته وترقياته. ولكنه بنفس الوقت قد لا يكون خبيراً في مجال علاقات الحب، فقد لا يكون واعياً لطاقته تجاه الجنس الآخر، معتقداته العميقة عن الارتباط والزواج، وطاقته الطاردة أو تدميره اللاواعي لأي علاقة حب. وبالتالي فإنه يعاني في جانب العلاقات، والحل—كما قد تكون خمنت—هو وعي أكثر في هذا الجانب.

هل يجب أن نسعى لـ “تجارب جديدة” أم وعي جديد؟

نعم من الجميل أن نسعى لتجارب جديدة، بمعنى أحداث حياتية جديدة، ولكن يجب أن نركز أكثر على الوعي الذاتي أثناء تلك التجارب، لأن ذلك هو ما سيطورنا ويغنينا. وكيف تعرف أنك تطورت؟ عندما تجرب النقيضين. عندما تجرب في نفسك الفشل والنجاح، فقط عندها سوف تتعلم بالتجربة، ومن تلك التجربة سوف تنضج وترتقي إلى وعي جديد.

التجربة والوعي بوابة النضج، البهجة، والتأثير.

* البعض يقول أنه لا شيء يتواجد خارج عقولنا. هذه فلسفة تفترض أنه لا شيء يتواجد في حال انعدامكعدم وجودك. لست متأكداً من ذلك الآن.

** هذه المقالة مترجمة لنسختها الإنجليزية في مدونتي الأخرى.

Posted by: Saad Aldousari | مارس 21, 2014

أضغاث أحلام أم رسائل وجودية؟

Ignored Tags: $935C

الأحلام ظاهرة غريبة، عالم غامض، بوابة سرية إلى المجهول، انتقال إلى أبعاد أخرى. وعلى مر العصور تطور أسلوب الإنسان في التعامل مع الأحلام. حسب فهمي هناك ثلاثة مدارس لتفسير الأحلام، أو بتعبير أدق، هناك ثلاثة أساليب طورها الإنسان للتعامل مع الأحلام، وهذا اجتهادي الشخصي المحدود والقاصر، لكن أعدك أنه اجتهاد متقن وجميل.

١) الأسلوب الأول: لا أهتم بالأحلام

وهذا في الحقيقة أسلوب مشروع، وأنا منذ فترة قصيرة كنت ذلك الشخص الذي لا يعير للأحلام أي اهتمام، فهي مجرد هلوسات أفكار داخلية، نتيجة للتعب أو لانشغال الذهن. ولكن، الأمر في الحقيقة أعمق من ذلك. الأحلام، وخصوصاً ذات النظام المتكرر (سقوط من الأعلى، هروب من شيء، عدم القدرة على الحركة، الخ) لها معنى نفسي، وهذا ما تجيب عليه مدارس التحليل النفسي للأحلام.

٢) الأسلوب الثاني: تفسير الرموز – مدارس تفسير الأحلام

مدرسة التحليل النفسي – سيجموند فرويد

العالم النمساوي فرويد يعد من أعظم المؤثرين في علم النفس. وأعظم ما اكتشفه فرويد هو اللاوعي (العقل الباطن)، وهو أول من كتب عنه بوضوح. فرويد اكتشف أن هناك وعي، وهناك العالم، وهناك مساحة تصل بينهما وهي العقل. وكل المشاكل النفسية تتشكل بسبب هذه المساحة الوسيطة، خصوصاً العقل اللاواعي. وطور فرويد تقنية التعبير الارتباطي الحر (أو ما يطلق عليه: التداعي الحر) وهي تقنية تسمح للفرد أن يعبر عن الأفكار التي تتبادر إلى ذهنه بدون تدخل، وبذلك يستطيع المحلل النفسي أن يكتشف الرابط اللاواعي للمشكلة النفسية. يذكر فرويد أن الأحلام هي رغبات غير محققة، وفي الغالب جنسية، وتأتي الأحلام لتحقق هذه الرغبات أو تعبر عنها. وهو يعتبر أول من نظم فكرة الترميز، حيث لكل رمز في الحلم معنى في على أرض الواقع، وربط بعض الرموز والعناصر بأعضاء جنسية أخجل في ذكرها هنا.

المدرسة التحليلية – كارل يونغ

كارل يونغ، تلميذ فرويد والذي اختلف معه في عدة أفكار، اتهم فرويد بأن نظرته لللاوعي محدودة وسلبية، وأنه يمكن لللاوعي أن يكون مصدراً للإبداع بدلاً من الكبت فقط. وهذه بوابة لتفسيرات إيجابية للأحلام حيث أن اللاوعي يمكن أن يختزن رغبات إيجابية وطيبة وليس فقط رغبات جنسية أو نفسية مكبوتة. ويونغ هو أول من اكتشف فكرة اللاوعي الجمعي، فالرموز ليست شخصية فقط ولكن هناك رموز عالمية/كونية، يتفق كل إنسان على رمزيتها ومعناها، وبالتالي فهي تحمل معنى ينطبق على الجميع. ومع ذلك فيونغ اختلف مع فرويد كذلك في أن التحليل يجب أن يدرس الشخصية قبل الرموز ولا تؤخذ الرموز بمنحى حرفي أعمى. مثال: قد تظهر امرأة في الحلم لكنها لا تعني امرأة على أرض الواقع، ولكن قد تعني الجانب الأنثوي في الشخصية الذي له علاقة بالمشاعر والإبداع والعلاقات.

وعموماً فإن طريقة المدارس التحليلية هو فك الرموز من خلال التعبير الحر أو أساليب أخرى، حيث يتكلم الفرد ويسهب في الحديث بدون تنظيم، ثم يقوم المحلل بفهم النظام والفكرة اللاواعية التي”يريد” الحلم أن يوصلها من خلال فك الرموز الموجودة في الحلم.

المدارس الدينية

وتعتبر التفسيرات الدينية للأحلام، كتفسير ابن سيرين وغيره، أقرب ما يكون إلى هذه المدارس النفسية التحليلية، لأنها تعتمد على تفسير الرموز بمعاني حياتية على أرض الواقع، مع فارق أن الوعي/اللاوعي الجمعي محصور في كتاب مقدس أو نصوص دينية (القرآن كمصدر للرموز مثلاً)، بدلاً من أن يكون المعرفة والقيم التي كونها الإنسان في كل الثقافات وفي كل العصور. والفارق الآخر هو أن التفسير الديني له سلطة (افعل كذا، استغفر، أد فرائضك الدينية، الخ) وبالتالي قد يكون له غايات سياسية/دينية، وليست نفسية علاجية بالمقام الأول.

٣) الأسلوب الثالث: استحضار الوعي للحلم – العلاج الجشطالتي

في الفترة السابقة اطلعت على أعمال رهيبة للمفكر الألماني المخضرم د. فريتز بيرلز، مؤسس مدرسة العلاج الجشطالتي. ومنها فهمت عمق وأهمية الأحلام في المنام، وأسلوبه العبقري في التعامل معها.

الأحلام والمنامات هي المسرح الذي تعبر فيه النفس عن أسرارها. ولكن الخلل الذي اتخذته مدارس التحليل النفسي—على الرغم من عمق فكرتها—هو أنها تفسر الأحلام تفسيراً عقلياً. ومساحة اللاوعي لا يمكن أن تفسر تفسيراً عقلياً. لا يمكن الوصول إلى رسالة باطنية من خلال تفسير عقلي. في الحقيقة، بيرلز ضد التفسير نهائياً. أي تفسير هو لعبة عقلية. مع أنه يتفق مع فرويد أن الأحلام هي نتاج للعقل اللاواعي، إلا أنه يعتبر السبيل للوصول هو من خلال اللحظة، من خلال الوعي بالمشاعر هنا والآن، من خلال عيش الملفات المفتوحة بالكامل، حتى يظهر المعنى فجأة!

“الجشطالت” في اللغة الألمانية تعني النظام الكامل الذي يكون أكبر من أجزاءه. والاستخدام النفسي لها هو أن كل شخص له مجموعة من الملفات غير المغلقة (جشطالت مفتوح)، وتعيد تكرار نفسها بدون وعي حتى تنغلق وتنتهي. الملفات المفتوحة قد تكون رغبات غير معبر عنها أو كبت من الماضي، وتظهر نفسها على شكل ألعاب نفسية ابتزازية أو أحلام أو كوابيس. في علم النفس الجشطالتي كل رمز في الحلم هو جزء من الشخصية يعبر عن نفسه. وكل حلم له رسالة وجودية أو عدة رسائل. ولكن ليس هناك معنى مسبق للرموز، المعنى في بطن الحالم! وأي تفسير خارجي هو تدخل في تجربة الفرد، ويسيء له أكثر مما يخدمه. فليس هناك أحد ما عدا الفرد ذاته يستطيع فهم الرسالة الوجودية له. ولا يشترط أن تكون المنهجية منطقية، هي إلهام، أو تعبير صادق للنفس، يظهر عندما يعيش الحلم مرة أخرى في اليقظة، ويأخذ دور كل رمز في الحلم ويتكلم بلسانه.

وهذه التقنية التي يستخدمها فريتز بيرلز في جلساته. يجب أن تعيش الحلم مرة أخرى في اللحظة، أن تتقمص دورك، ثم تضعه جنباً وتتقمص دور الفرد الآخر في الحلم، أو الشجرة، أو المنزل، أو البحيرة، أو الأرض..الخ. أن تتقمص دور كل رمز وتعيشه في اللحظة، وتتكلم من وعيه، لأن فريتز يعتقد أن كل رمز هو أنت لكنه متنكر. فإذا ما احتويت نفسك بكل تجزيئاتها فهمت الرسالة الوجودية لحلمك.

Posted by: Saad Aldousari | ديسمبر 21, 2013

العقلانية واللاعقلانية

art vs science content creation4

مدرستان مختلفتان

هناك مدرستان مختلفتان ينشأ الفرد عليهما، الأولى هي المدرسة العقلانية (العلمية) والأخرى هي المدرسة اللاعقلانية (غير العلمية). العلم هو أي معلومة تم تأكيدها بالعقل والمنطق والبحث التجريبي. مشكلة التضارب ما بين ما هو علمي وما هو غير علمي حديثة نسبياً في تاريخ الإنسان. في الحقيقة، النظرة العلمية لرؤية الحياة هي أمر حديث جداً في وعي الإنسانية. قبل أن ينشأ العلم، اعتمدنا في تفسير الأشياء على الأساطير والتقاليد والأديان.

ثم نشأ الصراع ما بين المدرسة العقلانية التي تفسر الأشياء من خلال العلم فقط، والمدرسة اللاعقلانية التي تفسر الأشياء من خلال الدين والفن والأدب.

أنا داعم للعلم، وكنت لفترة قصيرة متعصباً له. أقدر دور العلم في تطوير الحياة وتنظيم الكون في أذهاننا. وأستطيع أن أرى أهمية العقلية العلمية في تنوير الإنسانية من ظلمات سلطات رجال الدين الظلامية. وكذلك أستطيع أن أرى سطحية العقليات الرجعية خصوصاً فيما يتعلق بالإيمان الأعمى والتعصب والأخلاق البائسة.

تناقض أم تكامل؟

أحياناً من الخارج يبدو الناس مختلفون جداً، ولكن في الأعماق قد يكونون متشابهين جداً! هناك اعتقاد دفين في العقلية الكلاسيكية العلمية/العلمانية/الإلحادية، ونفس الاعتقاد موجود في العقلية التقليدية الدينية/اللاعلمية. على الرغم من أنهما يظهران كمدرستان متعارضتان إلا أنهما يحملان ذات الاعتقاد. هذا الاعتقاد ينص على أن العقلانية تتناقض مع اللاعقلانية. ولذلك، اختارت المدرسة الأولى أن تكون عقلانية، واختارت الأخرى أن تكون لاعقلانية—بتفسيرها للأشياء بالاعتماد على الوحي والنصوص المقدسة، أو بالفن والأدبيات النفسية على مستوى أوسع.

بالرغم من شكلهما المتناقض، إلا أنني أعتقد أن العقلانية واللاعقلانية ليسوا متناقضين.

النظر إلى الحياة والكون من خلال العلم فقط هو نظرة مقيدة، بالضبط كما أن النظر إلى الحياة والكون من خلال النص الديني فقط هو نظرة مقيدة كذلك. النظر إلى الحياة من خلال عيون العقل فقط يشكل إدراكاً محدوداً جداً، لأن جزءاً كبيراً من الإنسان (الجزء الأكبر في الحقيقة) يعتبر لاعقلانياً. أليس هراءً أن نقيس شخصية إنسانية عميقة معقدة من خلال منهج إحصائي رقمي؟ أن نحصر الفرد بكل أحلامه وشغفه، بكل رغباته وإدمانه، بكل وعيه ولاوعيه—أن نحصره في صناديق فارغة وتصنيفات تحدد هويته؟ ويسمى ذلك علماً! أليس من السخافة أن تُنكَر كل التجارب الداخلية للمريض (معتقداته، نواياه، مخاوفه، إلخ) ثم يعطى دواءً أو عقاراً ليشافيه؟ ويسمى ذلك علماً. ناهيك عن إهمال العلم لجزء عظيم من الإنسان فيما يتعلق بالغاية والمعنى والماورائيات. إن هذه النظرة حتماً نظرة ضيقة لإنسان يريد أن يحيا بالكامل، ويفكر بجموح، ويجرب بشغف.

كما قلت سابقاً، أنا من الداعمين للعلم، ولكنني من الداعمين لـ “اللاعلم” كذلك. قد يخيل لنا أنها متناقضة، إلا أن العلم واللاعلم مكملان للحقيقة. بينما التفكير العقلاني يمتاز بالتنظيم، والعملية، والصحة التسلسلية؛ فإن التفكير اللاعقلاني يمتاز بالعمق، والبصيرة، والإنسانية. بينما ينتج العلم مفكراً أنيقاً، ينتج اللاعلم روحاً متعافية.

سحر اللاعقلانية

أحياناً يجب أن تصلي حتى تجذب فرصة ذهبية. أحياناً يجب أن تستمع إلى حدسك حتى تتخذ قراراً صائباً. أحياناً يجب أن تتصرف بلاعقلانية؛ أن ترسم، أن تبكي، أن تسشتعر  الخوف، حتى تعي بقيمك الداخلية أكثر. أحياناً يجب أن تتعاطف، أن تستشعر بالوحدة مع الكون، حتى تفهم حقيقةً أو تبني رأياً حكيماً. إن اللاعقلانية صالحة بنفس درجة صلاح العقلانية. هذه هي النقطة.

عبر تقسيم الإنسان إلى أجزاء، بات الإنسان حائراً، يحكم على أي منهج مختلف على أنه خاطئ ورديء. نحن واحد متكامل؛ عقلاني ولاعقلاني، عقل وروح، ين ويانج، علم وروحانية-فن-أدب. العقلانية مهمة، ولكن التفكير العقلاني وحده سوف يصنع نظرة باردة محدودة، وبالتالي حياة ضحلة سطحية. بينما التفكير اللاعقلاني يصنع تجربة أغنى، معنى أعمق، وحياة أكثر إنسانية وإبداعاً.

Posted by: Saad Aldousari | نوفمبر 28, 2013

سامحني

connected

سامحني، عندما أنساك. سامحني..

سامحني عندما تذكرني بلطف، وتمنحني بلطف، وتكرمني بطلف، ثم أغفل عنك..

سامح تقصيري، وعجزي، وخطأي، وضعفي..
سامح ضئالتي..

أنا لا أفهمك، ولكنني أؤمن فيك.
لكن، هل أؤمن فيك حقاً؟ أم أن إيماني فيك يزيد عندما أحتاجك..
في جميع الأحوال.. سامح بشريتي..

سامحني إن قلت أنني أؤمن فيك ثم أنساك طيلة أيامي..

سامح غروري.. وسامح انكساري..

سامحني إن قلت كلاماً أكبرَ مني..
سامحني إذا ادعيتُ أي شيء.. وسامحني إذا أنكرتُ أي شيء..

سامحني متى ما صرتُ عنيداً.. سامحني متى ما صرتُ بليداً..

سامحني إذا تجرأت بالحديث معك.. وسامحني.. يا رب.. إذا امتنعت عن الحديث معك..

سامحني إذا اعتمدت على نفسي، وعلى غبائي أو ذكائي..

سامحني إذا غبت.. وساعدني أن أعود..
وسامحني إذا رفضت وامتنعت، وساعدني في تلك اللحظة بالذات، أن أراك.. في تلك اللحظة بالذات..

سامحني إذا جهلت.. سامحني إذا حكمت..
وساعدني في تلك اللحظة بالذات، أن أتذكر حكمتك ومحبتك..

سامحني عندما أتضائل فأصبح عيناً لا ترى.. وأذناً لا تسمع.. وقلباً ينبض ولا يشعر..
سامحني.. وساعدني في تلك اللحظة بالذات، أن أتصل بك وأعود إليك..

سامحني.. في كل الأحوال.. سامحني..
وفي كل الأحوال، ساعدني يا رب..
ساعدني في أعمق لحظة ظلمةً وبعداً.. ساعدني أن أراك.. ساعدني.. يا رب.. أن أراك..

Posted by: Saad Aldousari | أغسطس 1, 2013

إلامَ تنتمي؟

تميل الأنا أن تصنع لنفسها قضايا “مهمة” تتبناها وتدافع عنها، وفي الحقيقة، إنها تبني لنفسها هوية تحميها فحسب.

إنها تريد أن تنتمي لأي شيء.

لأن الأنا ترتعش من الانكشاف، فهي تلجأ دائماً إلى الاختفاء وراء شعارات وتعاليم خارجية، دينية أو فلسفية أو سياسية أو حتى علمية. الانتماء إلى حزمة معينة من المعتقدات يضع الأنا في موضع راحة، ولا داعٍ حينها لمواجهة الأسئلة والشكوك والمخاوف.

يقول ديباك تشوبرا

“المعتقدات المتحجرة، الدينية والعلمية على حد السواء، ما هي إلا تغطية لمخاوف داخلية. الإيمان هو شجاعة الولوج في المجهول.”

تميل الأنا دائماً أن ترسم لنفسها صوراً زائفةً، تباهي بها الآخرين، لأن الاعتراف بالجنون والاكتئاب والفشل في فهم الحياة والوحدة في مواجهتها، قد يؤدي إلى أكبر خسارة (بالنسبة لها) وهي السقوط من أعين الناس.

عندما أرى شخصاً متحمساً بتوتر، مدافعاً بشدة، جدياً بتطرف، أعرف غالباً أنه يحتاج إلى احتضان. أعرف أنه يشاركني، ويشارك الوجود، معاناته في فهم الحياة.

وهل يمكن أصلاً للعقل أن يفهم الحياة؟ أم هي الروح التي تشق طريقها وتحيا التجربة بنفسها، حتى تفهم؟

الحياة بالنسبة للأنا لغز مرعب، لأنها بطبيعتها متغيرة ومتقلبة، والأنا تستميت طلباً لأن تستقر. ولذلك، خوفاً من الحياة، تتبنى الأنا دوراً وقضية وعقيدة وحزباً وجماعة، حتى تبني لها هوية راسخة لا تتزحزح، وبذلك—ويا للأسف—هي تصنع السد الذي يمنع ضوء الحياة عن الوصول لها.

أما إذا عبرت الروح عن نفسها بالحب، ستجد حينها الإنسان الحر، الذي يغامر في المجهول، اللعوب، الذي يستمتع بخطواته الحائرة، الحكيم، الذي يتبع قناعات قلبه، الشجاع، المستعد لتغيير نفسه وكسر صورته السابقة، الساري في غموض الحياة بشغف وانجذاب، وربماً قليلاً من الخوف.

ذلك الذي يعترف بضياعه، ويدرك أخطاءه فيغير مساره، ويبكي آلامه ثم يضحك على نفسه، ويسير بلا يقين، ويتعلم بشغف ودهشة، دليله قلبه، ومفتاحه فكره المتجدد دائماً، ذلك الذي عاش الحياة حقاً.

لا ينتمي إلا إلى الوجود. يعيش وحدته بسلام. يشارك رحلته بحب.

20130801-210528.jpg

Posted by: Saad Aldousari | يوليو 21, 2013

أفكاري عن الدين

6a0167641875cd970b0168e9418eb8970c

خلال رحلتي في لندن وبينما كنت أمشي وحيداً، متوجهاً إلى حديقة الهايدبارك، استوقفني شاب أنيق في العشرينات من عمره وسألني بلطافة: لو سمحت، هل عندك وقت؟ ‘نعم’ أجبته. سألني: ما هي باعتقادك الغاية من الحياة؟

ضحكت ولكني كنت سعيداً لأنني ظننت أنها دراسة بحثية وأنا أحب أن أساهم في هذه الأشياء. قلت له ‘همم، أعتقد أن الغاية من الحياة هي البهجة؟ الابتهاج بالحياة ذاتها؟’ كانت إجابة عفوية وسريعة، عكس طبيعتي النفسية في التفكير البطيء لصياغة إجابة واسعة وشاملة. وافقني ثم دعاني إلى كنيسة خلفه. استوعبت أنه تبشيري ولكن قبلت دعوته على أية حال.

في مدخل الكنيسة التقيت بفتاتين متطوعتين، وكانت محادثة جميلة وواسعة الحرية. دعوني إلى المورمونية، وهي كما فهمت حركة تجديدية للعقيدة المسيحية. خلال تبادلنا الحديث شاركنا العديد من النظرات التي أود أن أنقلها هنا.

ما هي توجهاتك الدينية—في حال عندك أية توجهات؟

إحدى الفتيات سألتني هذا السؤال في البداية. أحببت جزئية ‘في حال عندك أية توجهات’؛ أضافت بعداً جميلاً للسؤال. الدين قضية مهمة بالنسبة لي. خلفيتي الدينية إسلامية، ولكن مرجعيتي في الحياة ليست دينية. عندي بعض النظرات التي قد يسميني البعض بسببها كافراً أو ملحداً، لكني مع ذلك أؤمن بقيمة الدين للإنسانية.

لا أتبنى أي توجه ديني

التوجه الديني، كما أريد أن أطلق عليه هنا، عادة ما يكون مرتبطاً باليقينية والتعصب، وكلاهما يعبر عن إدراك محدود للفرد. لا أتبنى أي توجه ديني؛ فأنا لا أبني معتقداتي وقراراتي حصرياً من نصوص دينية، لا أعتقد بشيء فقط لأنه مذكور بنص مقدس أو من رجل دين.

أعرف أن كلامي قد يكون شائكاً للبعض، لكن هذه المسألة معقدة، وسأبين طريقة تعاملي معها. عندما يُذكر الدين، الكثير من اللبس يحدث، لأن الدين يتداخل تقريباً مع كل مجال وقضية. ولذلك، عندما أقول أنني أتبنى رؤية دينية معينة، تصبح تلك دلالة ضمنية أنني أتبنى رؤية كونية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية، بيولوجية، وطبية، ويجب أن تكون كل تلك الرؤى متناسبة مع تلك الرؤية الدينية التي قد أتبناها. وهذا بالضبط ما لا أريد أن أكونه، لأنني أفضل أن أجد إجاباتي بنفسي وفي نفسي، معتمدة علمياً وعميقة قلبياً.

الدين جزء من الثقافة

بالنسبة لي الدين جزء من الثقافة، والتي بطبيعتها متأثرة بالعرق واللغة والتاريخ والمنطقة الجغرافية التي ظهر فيها ذلك الدين. بصيغة أخرى، كل دين أتى أصلاً لمجموعة معينة وفي ظروف معينة. هذا ليس شيئاً سلبياً بالضرورة، إنه فقط يبين كيفية تطور الأديان في العالم. في نهاية المطاف كل دين أتى متناسباً مع هوية الناس الاجتماعية؛ بمعنى، أتى ليحل قضايا أخلاقية معينة في زمن معين في منطقة جغرافية معينة بطرق معينة متناسبة مع ثقافة أشخاص معينين!

قد يكون تبين لك الآن لامعقولية (هذه ألطف كلمة وجدتها) تطبيق نفس التعاليم بطريقة حرفية في سياقات وظروف مختلفة! (فكرة الشريعة الواحدة الصالحة لكل مكان وزمان. بالمناسبة هذه الفكرة ليست حصرية على الإسلام). وذلك يدعوني إلى نقطتي التالية.

الدين بصورته القديمة

أنا أؤمن بالتطور بكل تطبيقاته؛ ابتداءاً من تطور المادة في الانفجار العظيم، مروراً بتطور الحياة على الأرض من خلال الانتخاب الطبيعي للفصائل الحيوية، إلى تطور الحضارات والثقافة الإنسانية*. الدين بمعناه القديم يكاد أن يموت. العصر الذي نشهده حالياً لا ينسجم مع وكلاء يتفردون بحق التفكير عنا، والتقرير عنا، و”هدايتنا إلى الصراط المستقيم”. الدين، بحكمه جزء من التطور الكوني والإنساني، هو كذلك يجب أن يتطور مع كل حقبة زمنية وثقافية وقيمية.

وذلك لا يجعلني غير مؤمن بالله، وهو التساؤل الذي أعتقد أن سيطرأ عليك الآن.

هل تؤمن بالله؟

حسناً، نعم أؤمن، لكن ليس بالإله الشخص. لا أؤمن بالإله على أنه ذات شخصية تتحدث وتحكم وتجازي وتعاقب. في الفلسفة تسمى هذه الظاهرة أنثروبوسنترزم. حاولت أن أجد ترجمة، وأقرب معنى لها هو ‘الأنسنة’ (من كلمة: إنسان)، وتعني أننا بحكمنا بشراً فإننا نحكم على الكون من مرجعيتنا كبشر. فنحن نرى الله على أنه ذات شخصية لأننا بطبيعتنا البشرية لا نستطيع أن نراه غير ذلك، إننا محدودون برؤيتنا العقلية البشرية.

عندما يأتي موضوع الإله والماورائيات فأسلوبي باطني رمزي، بمقابل الأسلوب الحرفي المباشر. الله هو رمز للمصدر المطلق والقوة الخلاقة لكل شيء. حسب وصف آرسطو المحرك الأول. في الثقافة الإسلامية، أحد أسماء الله الحسنى هو الأول.

الله أعمق وأكبر من الوصف، المحدود بكلماتنا ولغتنا وعقولنا شئنا أم أبينا. وصف الفلاسفة الله بعدة أوصاف، وبالنسبة لموضوع الإله، أعتقد أننا كلما وصفناه فإننا نخطئ في وصفه، مرة أخرى، لأننا محدودون في إدراكنا البشري المتحيز. في القرآن الكريم “ليس كمثله شيء”. في الطاوية لا يوجد إله معبود، يوجد فقط اللامرئي، اللاموصوف، جوهر كل شيء.

الرسالة الحقيقية للدين

بعد أن ذكرت ذلك، أحب أن أقول أنني لا أتبنى الأسلوب التدميري كردة فعل ولكن التطويري الذي يبني على السابق ويسمو به. أعتقد أن الرسالة الحقيقة لكل الأديان هي الصالح العام عن طريق الاستلهام من السماء. لو امتلكنا أسلوباً منفتحاً للأديان سنحصل على أفضل الأفضل. التعاليم الجوهرية للدين التي دعت إلى الخير والسلام لا يمكن إنكارها. إنها التفسيرات الجازمة للنصوص والأساليب المتعصبة تجاه “الآخرين المختلفين (الكفار؟)” هو سبب كل هذه الفوضى.

إذاً، ما هي خلاصتك؟

ليس عندي خلاصة. ليس هناك حتميات، وهذا ينطبق على الدين وعلى العلم كذلك. أسلوبي هو العقلانية المتوازنة بين المادية (الدليل العلمي التجريبي) والروحانية (الوعي الأسمى والحكمة الإنسانية). الجمع بين العلم والوعي، واللذان بالمناسبة في تطور مستمر، هو أفضل أسلوب لمواجهة الحياة حسب ما أعتقد؛ العلم كونه المعرفة التي جمعناها وأثبتناها حتى الآن، والوعي كونه الإدراك والقيم التي تمكننا من الحكم على ما هو خير، حقيقي، وجميل.

كما يتطور الوعي، فإن الحقيقة والخير والجمال يتطورون. وذلك يجعلنا مع حقيقة وحيدة: التطور هو الحقيقة الوحيدة الآن.

* أرشح كتاب ستيف ماكينتوش Evolution’s Purpose، المتأثر بالفلسفة التكاملية لكين ويلبر.

Posted by: Saad Aldousari | مايو 20, 2013

المخلّص المنقذ

angelLight

الفراغ الداخلي

داخل كل إنسان هناك فراغ موحش، شعور بالضياع، وحاجة لملء قلوبنا. لا أحد ينكر ذلك، ولا أحد يريد أن يظهره كذلك. نحن نميل إلى تغطيته بمسميات وأقنعة. الدينيون يدعون أنهم في نعيم. الملحدون يدعون أنهم أحرار. الماديون يدعون أنهم سعداء. “الروحانيون” يدعون أنهم في سلام. وكل ذلك مجرد تسميات تغطي الاضطرابات العميقة في الداخل.

كائنات طاقية

نحن كائنات طاقية تتغذى على الطاقة. أي سلوك نقوم به، نحن نفعل ذلك لكسب طاقة داخلية (غالباً على شكل مشاعر طيبة). لأننا نحتاج أن نملأ الفراغ بالداخل، نحن طورنا بلا وعي طرقاً لكسب الطاقة. مثلاً، جذب انتباه الآخرين، إثبات أننا على حق، شعورنا بالفوقية والتميز على غيرنا، الخ؛ كل هذه الأشياء تجلب لنا طاقة. والأنا ذكية في إيجاد الطرق لامتصاص الطاقة لنفسها. طرقاً مشروعة، صحية، أم سيئة؟ الأنا لا تهتم، هي تريد الطاقة فحسب. المفارقة أن الأنا تحب أن يطلق عليها لقب “روحانية” لأن ذلك أيضاً يغذيها بالطاقة.

اللاوعي

الأشياء والأشخاص يعطونا جرعات قليلة من الطاقة، ولكنها غير قوية وصحية كفاية لأن تملأنا. إنها أشبه بالحبوب المهدئة. ولكننا مع ذلك نتغذى عليهم بلا وعي. اللاوعي مضر، لأنه يمتص طاقة الآخرين، وبدون وعي منهم أيضاً! إنه ذاته اللاوعي الذي جعلنا نطلق على العلاقات المريضة “حب”؛ الأحكام الدينية العنصرية “حقيقة”؛ والفوقية والانعزال “روحانية”.

على مر العصور والعقود نمت حاجتنا إلى ملء الفراغ في الداخل، حتى صارت فكرة المخلّص هي السائدة، بل أصبحت هي المصدر التقليدي لحصولنا على الطاقة. ولذلك أصبحت حيواتنا مجرد انتظار لشخص/شيء ما هنالك في المستقبل ليأتي. فكرة المخلّص تجسدت في عدة هيئات، أحياناً دينية (المسيح/المهدي)، أحياناً في العلاقات (فتى الأحلام، العاشق المثالي)، وأحياناً أخرى مادية (منزل الأحلام أو ثروة العمر). أصبح الناس يسعون جاهدين للوصول إلى ذلك الحبيب الخيالي (وأحياناً “الجورو”، المعلم الروحي) الذي سيملأ قلوبهم، ويردهم إلى غايات حيواتهم المفقودة، ويحول حيواتهم من جحيم الاكتئاب إلى التنوير والسلام المطلق.

الواقع المر

للأسف لا يوجد أحد “هناك” يستطيع أن يملأ ذلك الفراغ. لا يمكن للفراغ الداخلي أن يُملأ من الخارج، إنه يمكن أن يُشبع فقط من الداخل. وحده نضج الوعي مع الرياضة الروحية الذي يمكنه أن يملأ الفراغ بطريقة صحية، راسخة وحقيقية.

ليس مزيداً من العمل هو ما سيجلب لنا الإشباع الروحي. ليس مزيداً من التعاليم هو ما سيجعلنا مستنيرين. إنه الوعي بإدراكنا. إنها رؤية الرائي، ومشاهدة الفاعل، والمراقبة من غير حكم. إنه اللا-افتراض، اللا-توقع، اللا-ادعاء. إنه الحضور. وإنها النية الصادقة العميقة في تحويل التجربة الداخلية، ليس بتغيير عناصر التجربة، ولكن بتغيير المجرب ذاته.

* هذه المقالة ترجمة لمقالتي (The Saviour Out There) في مدونتي الإنجليزية.

Older Posts »

التصنيفات

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 111 other followers