Posted by: Saad Aldousari | نوفمبر 2, 2012

الأنا والنضج الروحي

الوعي مفهوم روحي، يتعدى المعرفة التقليدية التي تعتمد على تراكم المعلومات كأساس لزيادتها وتضخمها. الوعي واللاوعي كالنور والظلام. الوعي هو سعة الإدراك للداخل؛ إدراك الأفكار والرغبات والمشاعر والنوايا العميقة للنفس، والوعي يشمل كذلك الإدراك للخارج؛ إدراك المعلومات والمعارف العقلية. في ظلام اللاوعي تغييب كامل للحقيقة الكامنة، هروب من أي ثغرة تعري للنفس حقيقتها، عدم مواجهة للمخاوف والتناقضات والجروح القديمة، وكنتيجة، لا تطور، لا عمق، لا تجربة، لا حياة.

أكبر معيق للوعي، وبالتالي للنضج الروحي، هي الأنا.

الأنا ذكية؛ إذا كانت تستطيع أن تبرر القتل على أنه قربة إلى الرب، يسهل عليها تبرير رغبة الفوقية والعنصرية والندية على أنها جهاد للدين والوطن والعائلة، يسهل جداً عليها تبرير رغبة التفوق والتميز والفخر على أنه طموح شريف وخدمة نبيلة للعالم. ويا له من مسكين ذلك الإنسان الذي صدق وهم الأنا وبنى كامل حياته عليه. يا لهم من مساكين، مهما كانت شهاداتهم ومناصبهم، لو كانت جميع طموحاتهم تغذية لتلك الأنا التي لا تشبع. تلك الأنا المشوهة للوجود، تلك الأنا التي تحسد وتغتر وتتباهى، تلك الأنا المنزعجة المتطلبة النهمة، تلك التي تقتات على جذب الانتباه من الآخرين..

ماذا لو كان مصدر جميع رغباتي وأسئلتي وبحثي وطموحاتي حاجة أنانية؟ ماذا لو غلفتها باسم الدين والمبادئ والقيم حتى أُخفِت صوت الوعي؟ ماذا لو كانت كل حياتي هروباً من أسئلة وجودية عميقة؛ من أنا؟ إلامَ أسعى؟ ما خطب كل الحياة؟.. ماذا لو كانت جميع أنشطتي وأهدافي “النبيلة” هروباً من مواجهة هذه الأسئلة العميقة في داخلي؟ ماذا لو كان كل ما عملت هو مجرد تخدير للوعي، وتغذية لرغبات الأنا الواهية من جذب انتباه الآخرين وكسب ودهم وإعجابهم؟ الأنا حتماً لا تريد أن تواجه هذه الأسئلة.

من أعظم الإدراكات الروحية إدراك أن الأنا التي طالما وصفنا بها ذواتنا هي ليست ذواتنا الحقيقية. الأنا تريد؛ تريد انتباه الآخرين لها، تريد التميز عليهم، تريد التملك، تريد الانتصار. ‪وهذه الإرادات ليست نابعة من روحك وإنما هي مشاغبة أنانية‬‫.‬

في اللاوعي إما خنوع تام للأنا أو مقاومة وحرب معها، وكلاهما يغذيها ويضخمها. في اللاوعي حرب مستمرة مع الآخرين، خوف دائم من كشف وتعرية العيوب، سعي دائم لتحسين الصورة الخارجية، استماتة لكسب الآخرين، والنتيجة نفس مضطربة متعبة.

الوعي يذيب الأنا، ولكن يحتضنها. في الوعي هناك توجد مساحة السلام التي ترى الأشياء بوضوح على حقيقتها. في الوعي يعرف الإنسان نفسه، يدرك تماماً عيوبه وغباءه وسطحيته، ومع ذلك يدرك مسؤوليته، يرى نفسه من الأعلى، ويوجهها، كالأم الحنونة التي تعرف أن طفلها لن يفهم الدرس بالكلام ولكن بالتدرج في التجربة والخطأ، وبالحب والقبول، وبالاحترام والمساندة لذلك الكائن الراقي في رحلته في الارتقاء والتطور.

Advertisements

Responses

  1. جميل…سأسميك أوشو العرب…وكم بحاجة إلى مفكرين مثلك.تحياتي لك.

  2. عميق جداً هذا النضج .

  3. خوش مقالة وايد حلوة

  4. مقالة اكتر من رائعة وبتكمل مقالة تانية عن قانون الاداة أو مطرقة ماسلو اللي بيقول فيها: “من المغري للفرد أنه إن كانت الأداة الوحيدة لديه هي مطرقة أن يعتبر كل شيء كما لو كان مسمارا.”
    وفعلا تحس ان مشكلة الانا هي موروث ننظر من خلاله على كل الاشياء من حولنا
    http://2osool.com/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D8%A8%D9%8A%D8%A9/

    • أقدر التواصل مع أناس أمثالك. ممتن لك 🙂

  5. كلام راااائع اخي العزيز اشكرك


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: