Posted by: Saad Aldousari | ديسمبر 21, 2013

العقلانية واللاعقلانية

art vs science content creation4

مدرستان مختلفتان

هناك مدرستان مختلفتان ينشأ الفرد عليهما، الأولى هي المدرسة العقلانية (العلمية) والأخرى هي المدرسة اللاعقلانية (غير العلمية). العلم هو أي معلومة تم تأكيدها بالعقل والمنطق والبحث التجريبي. مشكلة التضارب ما بين ما هو علمي وما هو غير علمي حديثة نسبياً في تاريخ الإنسان. في الحقيقة، النظرة العلمية لرؤية الحياة هي أمر حديث جداً في وعي الإنسانية. قبل أن ينشأ العلم، اعتمدنا في تفسير الأشياء على الأساطير والتقاليد والأديان.

ثم نشأ الصراع ما بين المدرسة العقلانية التي تفسر الأشياء من خلال العلم فقط، والمدرسة اللاعقلانية التي تفسر الأشياء من خلال الدين والفن والأدب.

أنا داعم للعلم، وكنت لفترة قصيرة متعصباً له. أقدر دور العلم في تطوير الحياة وتنظيم الكون في أذهاننا. وأستطيع أن أرى أهمية العقلية العلمية في تنوير الإنسانية من ظلمات سلطات رجال الدين الظلامية. وكذلك أستطيع أن أرى سطحية العقليات الرجعية خصوصاً فيما يتعلق بالإيمان الأعمى والتعصب والأخلاق البائسة.

تناقض أم تكامل؟

أحياناً من الخارج يبدو الناس مختلفون جداً، ولكن في الأعماق قد يكونون متشابهين جداً! هناك اعتقاد دفين في العقلية الكلاسيكية العلمية/العلمانية/الإلحادية، ونفس الاعتقاد موجود في العقلية التقليدية الدينية/اللاعلمية. على الرغم من أنهما يظهران كمدرستان متعارضتان إلا أنهما يحملان ذات الاعتقاد. هذا الاعتقاد ينص على أن العقلانية تتناقض مع اللاعقلانية. ولذلك، اختارت المدرسة الأولى أن تكون عقلانية، واختارت الأخرى أن تكون لاعقلانية—بتفسيرها للأشياء بالاعتماد على الوحي والنصوص المقدسة، أو بالفن والأدبيات النفسية على مستوى أوسع.

بالرغم من شكلهما المتناقض، إلا أنني أعتقد أن العقلانية واللاعقلانية ليسوا متناقضين.

النظر إلى الحياة والكون من خلال العلم فقط هو نظرة مقيدة، بالضبط كما أن النظر إلى الحياة والكون من خلال النص الديني فقط هو نظرة مقيدة كذلك. النظر إلى الحياة من خلال عيون العقل فقط يشكل إدراكاً محدوداً جداً، لأن جزءاً كبيراً من الإنسان (الجزء الأكبر في الحقيقة) يعتبر لاعقلانياً. أليس هراءً أن نقيس شخصية إنسانية عميقة معقدة من خلال منهج إحصائي رقمي؟ أن نحصر الفرد بكل أحلامه وشغفه، بكل رغباته وإدمانه، بكل وعيه ولاوعيه—أن نحصره في صناديق فارغة وتصنيفات تحدد هويته؟ ويسمى ذلك علماً! أليس من السخافة أن تُنكَر كل التجارب الداخلية للمريض (معتقداته، نواياه، مخاوفه، إلخ) ثم يعطى دواءً أو عقاراً ليشافيه؟ ويسمى ذلك علماً. ناهيك عن إهمال العلم لجزء عظيم من الإنسان فيما يتعلق بالغاية والمعنى والماورائيات. إن هذه النظرة حتماً نظرة ضيقة لإنسان يريد أن يحيا بالكامل، ويفكر بجموح، ويجرب بشغف.

كما قلت سابقاً، أنا من الداعمين للعلم، ولكنني من الداعمين لـ “اللاعلم” كذلك. قد يخيل لنا أنها متناقضة، إلا أن العلم واللاعلم مكملان للحقيقة. بينما التفكير العقلاني يمتاز بالتنظيم، والعملية، والصحة التسلسلية؛ فإن التفكير اللاعقلاني يمتاز بالعمق، والبصيرة، والإنسانية. بينما ينتج العلم مفكراً أنيقاً، ينتج اللاعلم روحاً متعافية.

سحر اللاعقلانية

أحياناً يجب أن تصلي حتى تجذب فرصة ذهبية. أحياناً يجب أن تستمع إلى حدسك حتى تتخذ قراراً صائباً. أحياناً يجب أن تتصرف بلاعقلانية؛ أن ترسم، أن تبكي، أن تسشتعر  الخوف، حتى تعي بقيمك الداخلية أكثر. أحياناً يجب أن تتعاطف، أن تستشعر بالوحدة مع الكون، حتى تفهم حقيقةً أو تبني رأياً حكيماً. إن اللاعقلانية صالحة بنفس درجة صلاح العقلانية. هذه هي النقطة.

عبر تقسيم الإنسان إلى أجزاء، بات الإنسان حائراً، يحكم على أي منهج مختلف على أنه خاطئ ورديء. نحن واحد متكامل؛ عقلاني ولاعقلاني، عقل وروح، ين ويانج، علم وروحانية-فن-أدب. العقلانية مهمة، ولكن التفكير العقلاني وحده سوف يصنع نظرة باردة محدودة، وبالتالي حياة ضحلة سطحية. بينما التفكير اللاعقلاني يصنع تجربة أغنى، معنى أعمق، وحياة أكثر إنسانية وإبداعاً.

Advertisements

Responses

  1. أبدعتم .. شكرا لكم


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: