Posted by: Saad Aldousari | مارس 21, 2014

أضغاث أحلام أم رسائل وجودية؟

Ignored Tags: $935C

الأحلام ظاهرة غريبة، عالم غامض، بوابة سرية إلى المجهول، انتقال إلى أبعاد أخرى. وعلى مر العصور تطور أسلوب الإنسان في التعامل مع الأحلام. حسب فهمي هناك ثلاثة مدارس لتفسير الأحلام، أو بتعبير أدق، هناك ثلاثة أساليب طورها الإنسان للتعامل مع الأحلام، وهذا اجتهادي الشخصي المحدود والقاصر، لكن أعدك أنه اجتهاد متقن وجميل.

١) الأسلوب الأول: لا أهتم بالأحلام

وهذا في الحقيقة أسلوب مشروع، وأنا منذ فترة قصيرة كنت ذلك الشخص الذي لا يعير للأحلام أي اهتمام، فهي مجرد هلوسات أفكار داخلية، نتيجة للتعب أو لانشغال الذهن. ولكن، الأمر في الحقيقة أعمق من ذلك. الأحلام، وخصوصاً ذات النظام المتكرر (سقوط من الأعلى، هروب من شيء، عدم القدرة على الحركة، الخ) لها معنى نفسي، وهذا ما تجيب عليه مدارس التحليل النفسي للأحلام.

٢) الأسلوب الثاني: تفسير الرموز – مدارس تفسير الأحلام

مدرسة التحليل النفسي – سيجموند فرويد

العالم النمساوي فرويد يعد من أعظم المؤثرين في علم النفس. وأعظم ما اكتشفه فرويد هو اللاوعي (العقل الباطن)، وهو أول من كتب عنه بوضوح. فرويد اكتشف أن هناك وعي، وهناك العالم، وهناك مساحة تصل بينهما وهي العقل. وكل المشاكل النفسية تتشكل بسبب هذه المساحة الوسيطة، خصوصاً العقل اللاواعي. وطور فرويد تقنية التعبير الارتباطي الحر (أو ما يطلق عليه: التداعي الحر) وهي تقنية تسمح للفرد أن يعبر عن الأفكار التي تتبادر إلى ذهنه بدون تدخل، وبذلك يستطيع المحلل النفسي أن يكتشف الرابط اللاواعي للمشكلة النفسية. يذكر فرويد أن الأحلام هي رغبات غير محققة، وفي الغالب جنسية، وتأتي الأحلام لتحقق هذه الرغبات أو تعبر عنها. وهو يعتبر أول من نظم فكرة الترميز، حيث لكل رمز في الحلم معنى في على أرض الواقع، وربط بعض الرموز والعناصر بأعضاء جنسية أخجل في ذكرها هنا.

المدرسة التحليلية – كارل يونغ

كارل يونغ، تلميذ فرويد والذي اختلف معه في عدة أفكار، اتهم فرويد بأن نظرته لللاوعي محدودة وسلبية، وأنه يمكن لللاوعي أن يكون مصدراً للإبداع بدلاً من الكبت فقط. وهذه بوابة لتفسيرات إيجابية للأحلام حيث أن اللاوعي يمكن أن يختزن رغبات إيجابية وطيبة وليس فقط رغبات جنسية أو نفسية مكبوتة. ويونغ هو أول من اكتشف فكرة اللاوعي الجمعي، فالرموز ليست شخصية فقط ولكن هناك رموز عالمية/كونية، يتفق كل إنسان على رمزيتها ومعناها، وبالتالي فهي تحمل معنى ينطبق على الجميع. ومع ذلك فيونغ اختلف مع فرويد كذلك في أن التحليل يجب أن يدرس الشخصية قبل الرموز ولا تؤخذ الرموز بمنحى حرفي أعمى. مثال: قد تظهر امرأة في الحلم لكنها لا تعني امرأة على أرض الواقع، ولكن قد تعني الجانب الأنثوي في الشخصية الذي له علاقة بالمشاعر والإبداع والعلاقات.

وعموماً فإن طريقة المدارس التحليلية هو فك الرموز من خلال التعبير الحر أو أساليب أخرى، حيث يتكلم الفرد ويسهب في الحديث بدون تنظيم، ثم يقوم المحلل بفهم النظام والفكرة اللاواعية التي”يريد” الحلم أن يوصلها من خلال فك الرموز الموجودة في الحلم.

المدارس الدينية

وتعتبر التفسيرات الدينية للأحلام، كتفسير ابن سيرين وغيره، أقرب ما يكون إلى هذه المدارس النفسية التحليلية، لأنها تعتمد على تفسير الرموز بمعاني حياتية على أرض الواقع، مع فارق أن الوعي/اللاوعي الجمعي محصور في كتاب مقدس أو نصوص دينية (القرآن كمصدر للرموز مثلاً)، بدلاً من أن يكون المعرفة والقيم التي كونها الإنسان في كل الثقافات وفي كل العصور. والفارق الآخر هو أن التفسير الديني له سلطة (افعل كذا، استغفر، أد فرائضك الدينية، الخ) وبالتالي قد يكون له غايات سياسية/دينية، وليست نفسية علاجية بالمقام الأول.

٣) الأسلوب الثالث: استحضار الوعي للحلم – العلاج الجشطالتي

في الفترة السابقة اطلعت على أعمال رهيبة للمفكر الألماني المخضرم د. فريتز بيرلز، مؤسس مدرسة العلاج الجشطالتي. ومنها فهمت عمق وأهمية الأحلام في المنام، وأسلوبه العبقري في التعامل معها.

الأحلام والمنامات هي المسرح الذي تعبر فيه النفس عن أسرارها. ولكن الخلل الذي اتخذته مدارس التحليل النفسي—على الرغم من عمق فكرتها—هو أنها تفسر الأحلام تفسيراً عقلياً. ومساحة اللاوعي لا يمكن أن تفسر تفسيراً عقلياً. لا يمكن الوصول إلى رسالة باطنية من خلال تفسير عقلي. في الحقيقة، بيرلز ضد التفسير نهائياً. أي تفسير هو لعبة عقلية. مع أنه يتفق مع فرويد أن الأحلام هي نتاج للعقل اللاواعي، إلا أنه يعتبر السبيل للوصول هو من خلال اللحظة، من خلال الوعي بالمشاعر هنا والآن، من خلال عيش الملفات المفتوحة بالكامل، حتى يظهر المعنى فجأة!

“الجشطالت” في اللغة الألمانية تعني النظام الكامل الذي يكون أكبر من أجزاءه. والاستخدام النفسي لها هو أن كل شخص له مجموعة من الملفات غير المغلقة (جشطالت مفتوح)، وتعيد تكرار نفسها بدون وعي حتى تنغلق وتنتهي. الملفات المفتوحة قد تكون رغبات غير معبر عنها أو كبت من الماضي، وتظهر نفسها على شكل ألعاب نفسية ابتزازية أو أحلام أو كوابيس. في علم النفس الجشطالتي كل رمز في الحلم هو جزء من الشخصية يعبر عن نفسه. وكل حلم له رسالة وجودية أو عدة رسائل. ولكن ليس هناك معنى مسبق للرموز، المعنى في بطن الحالم! وأي تفسير خارجي هو تدخل في تجربة الفرد، ويسيء له أكثر مما يخدمه. فليس هناك أحد ما عدا الفرد ذاته يستطيع فهم الرسالة الوجودية له. ولا يشترط أن تكون المنهجية منطقية، هي إلهام، أو تعبير صادق للنفس، يظهر عندما يعيش الحلم مرة أخرى في اليقظة، ويأخذ دور كل رمز في الحلم ويتكلم بلسانه.

وهذه التقنية التي يستخدمها فريتز بيرلز في جلساته. يجب أن تعيش الحلم مرة أخرى في اللحظة، أن تتقمص دورك، ثم تضعه جنباً وتتقمص دور الفرد الآخر في الحلم، أو الشجرة، أو المنزل، أو البحيرة، أو الأرض..الخ. أن تتقمص دور كل رمز وتعيشه في اللحظة، وتتكلم من وعيه، لأن فريتز يعتقد أن كل رمز هو أنت لكنه متنكر. فإذا ما احتويت نفسك بكل تجزيئاتها فهمت الرسالة الوجودية لحلمك.

Advertisements

Responses

  1. مقال جميل..
    هناك كتاب عميق في مضمونه.. اسمه الأحلام والرؤى … وكاتبه هو الدكتور جوزيف مجداني ج ب م، غني في مادته وتطبيقي وباطنيّ بامتياز..
    في الصفحة التالية وصف للكتاب http://www.esoteric-lebanon.org/ar/arabic-pub/53-dreams-visions

    • شكراً جزيلاً لك. فعلاً الكتاب يبدو عميقاً من وصفه.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: