Posted by: Saad Aldousari | مايو 9, 2014

معنى التجربة

bigstock-Spa-still-life-with-bamboo-fou-46701871

عندما يأتيني سؤال غايتي في الحياة، اعتدت أن أحمل إجابات محددة، وتلك الإجابات كانت تعبر عن وعيي ومنظومة قيمي ونظرتي الشخصية. الآن، أنا أكثر إيماناً أننا موجودون حتى نجرب. ما هي التجربة؟ من نحن في الأساس؟ وماذا نجرب؟ هذا ما أردت أن أتفكر فيه وأعرضه هنا.

معنى التجربة

هناك جانبان من التجربة؛ الجانب المجرد الخارجي والجانب الشخصي الداخلي. أما الجانب الخارجي فقد يكون موقفاً معيناً في الحياة، وأما الجانب الداخلي فهو نتاج وعي المجرب. وما أعنيه بالوعي هنا هو كل ما يحدث في العقل (وربما خارج العقل)؛ كل المعرفة والتفكير والقيم والذكريات والمشاعر والإدراك الذاتي. هذا الوعي هو ما يعطي التجربة الخارجية أثرها ومعناها.

هل التجربة حدث خارجي أم ظاهرة داخلية؟

نسبة ٠.٠١٪ فقط من التجربة يحدث في الخارج؛ نسبة ٩٩.٩٩٪ المتبقية تحدث في داخلنا*. ما يجعلنا نجرب التجربة هي عقولنا المعقدة. حدث قد يحدث في الخارج، ولكننا لا نجرب الحدث؛ نحن نجرب وعينا من خلال الحدث. نحن نصفي الأحداث الخارجية من خلال معتقداتنا وحتمياتنا، معارفنا المتراكمة، ذكرياتنا السابقة، مشاعرنا وأحساسينا، وكل المتغيرات الأخرى التي تحدث داخل عقولنا، وتشكل تجربة فردانية فريدة.

النسبة التي ذكرتها ليست قيمة رقمية صحيحة، فقد اخترتها بطريقة عشوائية وحدسية، ولكن القصد من النقطة وصل. هذا الأمر مهم للملاحظة لأننا تعودنا حينما نسمع كلمة تجربة فإن ما يخطر على بالنا هو حوادث خارجية، وذلك صحيح نوعاً ما، ولكننا نغفل عن الجزء الأعظم من التجربة، وهو الأحداث الداخلية التي تتزامن مع الحدث الخارجي. هذه التجربة الداخلية تحدث من خلال عملية معقدة، وهي التي تصنع وتشكل تجاربنا. إثنان يمرون في نفس الحدث يمكنهم أن يحظون بتجربتين متباينتين تماماً!

من نحن؟

نحن كائنات وجودية. نحن الوعي “الداخلي” الذي ينوي، ويراقب، ويجرب العالم “الخارجي”. هذا يعني أن تجاربنا لا يجب أن تقاس بحسابات خارجية ولكن بصفات داخلية. حضارتنا البشرية في عصر العلم والتكنولوجيا حولت الإنسان إلى آلة تطلب التجربة الخارجية وتفتقد إلى الوعي الداخلي في خلال تجربته.

الآن ندرك أننا لا نجرب الحياة، أو العالم، أو علاقة حديثة، ولكننا نجرب أنفسنا، نجرب وعينا الجديد تحت ظل مواقف الحياة المتعددة. وبالتالي فإنه يمكننا أن نحظى بتجارب غنية وعميقة من خلال التركيز على أنفسنا بدلاً من الأحداث الخارجية. يقال أن تجربة إلهية تمتد للحظات بسيطة يمكنها أن تحولك وتغير وعيك إلى الأبد.

تفكيك مستويات عمق التجربة

يمكننا أن نقسم مستويات عمق التجربة إلى أربع مستويات: الوعي بالأحداث الخارجية، الوعي بالعقل، الوعي بالمشاعر، الوعي بالوعي.

• الوعي بالأحداث الخارجية

هذه أدنى درجة. ليس هناك ثمة تجربة هنا. هذا المستوى هو الأكثر بعداً عن العمق، هو أكثر طبقة خارجية من التجربة. الكل يعرف من يقابل وماذا يعمل وما يحدث له من ظروف الحياة الخارجية. وذلك كل ما في الأمر. ليس هناك مساحة للوعي بالذات هنا. أي عقل بسيط يمكنه ذلك. هذه مرحلة الإنسان الآلي—المكينة المبرمجة. أفكار كثيرة، مشاعر مكبوتة، لا مساحة للوعي، وبالتالي لا مساحة للتجربة.

• الوعي بالعقل

في هذا المستوى يدخل الفرد درجة أعمق في التجربة. هو يحظى بتجربة لأنه اقترب من نفسه قليلاً. العائق الأكبر لتعدي المستوى الأول هو أن عقل الفرد يصبح مشغولاً بالأفكار والحوارات الداخلية، وبالتالي فإنه يضيع على نفسه المستويات الأعلى للتجربة. ولذلك تدعو الفلسفات الشرقية إلى سكون العقل وعيش اللحظة. ذلك لأن التجارب الأعمق مرتبطة بمشاعر عالية لا يمكن للعقول المشغولة الاستقرار بها.

عندما يتجاوز الفرد عقله فإن عالماً جديداً يتجلى أمام وعيه. العالم مختلف تماماً. إنه فعلاً وعي جديد. في سكون العقل تارة وانشغاله تارة أخرى، يمكن للإنسان أن يتنفس بعمق، أن يشرب الماء بتركيز، يأكل ببطء، يشم نسمة الهواء.. إنها تبدو من الخارج تجارب بسيطة إلا أنها مرحلة داخلية متقدمة. هناك مساحة للتجربة أن تنضج. هناك مجال لعلاقة أن تتعمق من خلال تواصل وانتباه أعمق. هناك وقت للاسترخاء، للهوايات، أو للحوارات العميقة.

• الوعي بالمشاعر

على الرغم من أن تجاوز العقل يعتبر خطوة هائلة في الوعي، إلا أنه ما زال هناك ما يشغل الإنسان ويسرق من طاقته، ويعتبر عائقاً لمرحلة أعمق من التجربة، وهو ما يسمى بالمشاعر. المشاعر هي بقايا من طاقات مكبوتة في الجسد. حتى عندما ترغب بألا تستمع لازدحام الأفكار في عقلك، ستجرك المشاعر وتمنع وعيك عن عيش تجربة أعمق. علاقة حب قديمة قد تشتت انتباهك من علاقة حالية إذا ما زالت هناك بقايا لمشاعر غير محررة.

تخيل عقلاً فارغاً وجسداً متحرراً من مشاعر الماضي (والمستقبل). تخيل أنك حر من أي فكرة، استشعر خفة جسدك. كيف هي تجربة الحياة الآن؟ كيف سيعمل العقل الآن؟ كم هي كمية التفاصيل التي ستلاحظها؟ كم هي كمية الأشياء التي ستراها، وتستشعرها، وتجربها؟

• الوعي بالوعي

تجاوز العقل مرحلة أعلى من تجاوز ظروف حياتك، وتجاوز المشاعر تعتبر مرحلة أعمق كذلك. إنه نهاية المعاناة كما يقول بوذا. وهي بوابة لمستوى أعمق من الوعي. الفكرة الشائعة أن أعمق مستوى للتجربة هو مستوى المشاعر (مثل الشعارات الشائعة: اجعل هذا الصيف أفضل تجربة. استمتع بالشمس والبحر و…الخ) هي فكرة ليست صحيحة كلياً. على الإنسان أن يتجاوز مشاعره حتى يحظى بتجربة أعمق.

عندما يكون الشخص متحرراً من ازدحام عقله، هادئاً، ومتحرراً كذلك من مشاعره، تصبح الحياة منعشة. هذا المستوى من الوعي ينتج عنه مستوى عميق من التجربة. عندما تكون واعياً لشيء ما فإن ذلك الشيء يفقد سلطته عليك. عندما تكون واعياً لازدحام أفكارك ستصبح ساكناً. عندما تكون واعياً لمشاعرك السلبية ستصبح خفيفاً. لا شيء يمكنه إثارة السلام الداخلي. السلام كبحيرة ساكنة، المشاعر والأفكار ومواقف الحياة ليست إلا تموجات دائرية على السطح فقط.

الوعي بالوعي يعني أنك واعٍ بكل ما يحدث في وعيك من حوادث خارجية، أفكار، مشاعر، وأحاسيس جسدية. وأكثر من ذلك، أن تعي بارتباط ذلك كله بالكون. أن تعي بوحدتك مع الكون، وأثرك فيه وعلى من فيه. أن تعي بنظام الوجود كيف يتحرك وكيف تتناغم وتنسجم معه. الوعي ليس تفكيراً، أنت لا تفكر في هذه الأشياء، لا تستطيع ذلك! أنت فقط تعي بها. عندما تعي، وفقط عندما تعي، فإن أي تجربة في الحياة تصبح غنية جداً، جداً. هنا تستلهم الحكمة، وهنا تلمس روحك جمال الحياة.

ستصبح حساساً جداً لكل ما يسحب طاقتك. ستتأثر بشكل أكبر بالحياة. ولا تخف، هذه علامة على الحياة. الأكثر حساسية أكثر عمقاً وأكثر حياة. هو ليس حساساً بأفكاره أو بحوار عقله السلبي أو بندب حظه المتعثر، ولكنه حساس تجاه مجريات الحياة في اللحظة. هذه من أعمق تجارب الحياة. وقد تكون هذه المرحلة هي مرحلة الإلهام والحدس والفهم العميق.

لا أقول أن هذه المراحل متتابعة حسابياً، واحدة تلو الأخرى. بشكل عام، كلما وعيت في جانب من جوانب حياتك فإن ذلك سيؤثر على جميع الجوانب، ولكن يمكن أن تكون في مراحل متباينة من جانب لآخر. قد تكون خبيراً في مهنتك، على سبيل المثال، ولكنك تفقد تجربة عميقة في جانب أخرى كالصداقة أو الحب. لتوضيح المسألة قليلاً، يمكن لشخص أن يحظى بتجربة غنية مهنياً، يعي بخبرته ومهارته، قواه وضعفه، قوة علاقاته، طاقته السياسية في العمل، قيمه العملية، ونجاحاته وترقياته. ولكنه بنفس الوقت قد لا يكون خبيراً في مجال علاقات الحب، فقد لا يكون واعياً لطاقته تجاه الجنس الآخر، معتقداته العميقة عن الارتباط والزواج، وطاقته الطاردة أو تدميره اللاواعي لأي علاقة حب. وبالتالي فإنه يعاني في جانب العلاقات، والحل—كما قد تكون خمنت—هو وعي أكثر في هذا الجانب.

هل يجب أن نسعى لـ “تجارب جديدة” أم وعي جديد؟

نعم من الجميل أن نسعى لتجارب جديدة، بمعنى أحداث حياتية جديدة، ولكن يجب أن نركز أكثر على الوعي الذاتي أثناء تلك التجارب، لأن ذلك هو ما سيطورنا ويغنينا. وكيف تعرف أنك تطورت؟ عندما تجرب النقيضين. عندما تجرب في نفسك الفشل والنجاح، فقط عندها سوف تتعلم بالتجربة، ومن تلك التجربة سوف تنضج وترتقي إلى وعي جديد.

التجربة والوعي بوابة النضج، البهجة، والتأثير.

* البعض يقول أنه لا شيء يتواجد خارج عقولنا. هذه فلسفة تفترض أنه لا شيء يتواجد في حال انعدامكعدم وجودك. لست متأكداً من ذلك الآن.

** هذه المقالة مترجمة لنسختها الإنجليزية في مدونتي الأخرى.

Advertisements

Responses

  1. شكرا لك المقال غني ورائع

  2. مقال جدا رائع، غني وسلس وبسيط، شكرا لمشاركتنا أفكارك.

  3. جميل

  4. شكرا أخي الكريم .

  5. ان تعي العمق فانت في تجربة ومقالتك هذه هي استعداد لخوض تجارب اعمق واكثر اثارة ومغامرة وفهم اكثر م ، مقالة تجعل من يقرأها يجرب على نفسه البحث في اعماقه هي تجربة


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: