Posted by: Saad Aldousari | مايو 24, 2014

قصة قصيرة: وردة

sweet_wildflower_JK114_350A

كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان. في عصر قديم، كانت فيه أمنا الأرض مليئة بالخضار. قبل أن يوجد الإنسان، كان هذا الكوكب ساكناً، ومريعاً في ذات الوقت، كما عودتنا الطبيعة دائماً بتجلي نقائضها. كانت الكائنات لا تسعى إلا لقوت يومها ومسكن يمكنها أن تسميه وطناً. عدا ذلك فهي تشقى للبقاء فقط على قيد الحياة.

في غابة أوربية، قبل أن تولد أوربا بملايين السنين، عاشت وردة هناك. بين أشجار الصنوبر الشاهقة وحشائش خضراء كثيفة تكاد تغطيها بالكامل. أنهار ضيقة تقطع هذه الغابة، وبحيرات ساكنة تكونت في أرجائها من جراء أمطار الشتاء.

وجدت وردة نفسها وحيدة في أرض طينية. ويحصل كل نهار أن تجف تلك الأرض تحت أشعة الشمس. ولذلك أحبت وردة ضوء الشمس، ذلك لأنه يمدها بالنور والدفء. في الحقيقة، أحبته لأنه يمنحها الوعي بما حولها؛ لأنه مكنها من أن ترى الحياة.

في الغابة لا يوجد سقف ولاجدران، ووردة لم تجد في نفسها القدرة على الحركة أو صناعة عش محمي أو منزل مغلق. في الغابة فضاؤك السماء ورحابك أراضٍ ممتدة. كانت وردة تترقب حفيف الهواء على أوراق الشجر، وتستمع جيداً لخطوات الدواب  من السناجيب والخنازير البرية، فضلاً عن هجمات الطيور المتوحشة. حتى السماء ملبدة بالغيوم الرمادية. أمر متوقع الحدوث في فصل الخريف من كل عام. نعم إنه عالمٌ موحش.

أحياناً من شدة الرياح ينكسر لوردة ساق، ولكنه سرعان ما يبرأ ويتشافى في اليوم التالي. أحياناً تغرقها الأمطار في الليالي المظلمة، ولكن سرعان ما تنتعش بالشمس في الصباح. إن ما يبقي وردة على قيد الحياة ليس قدرتها على التكيف والتوازن، ولكنه الشيء الذي يغذي فيها تلك القدرة؛ إنه إيمانها بجمال الحياة. رغم كل ما تراه وتمر به، فإنها في أعماقها ترى شمساً ذهبية وحقولاً خضراء وحركة كونية متناغمة. رغم جميع مخاوفها تجاه الظلام والعناء إلا أنها في كل يوم ترجع إلى نقطة عميقة فيها، تذكرها أنها لا شيء سوى أنها جزء من كل، لا شيء سوى أنها متحدة مع كل ما حولها من هذه الطبيعة المتقلبة، لا شيء سوى أنها الطبيعة ذاتها.

وما إن يأتي فصل الربيع حتى تجتمع مع مثيلاتها من الورود، زهرة وبتلة وعبير. إنها تجتمع مع تلك الكائنات التي لا ترغب بشيء إلا التعبير عن الجمال والأناقة. تتلامس أطراف الورود وتتشابك، فهو أشبه ما يكون باحتفال ديني خاشع. قد يكون هذا الفصل هو أوج الانسجام والتناغم ما بين وردة وجميع ما يحيطها من ورود وبتلات وأزهار. وفي كل ذاتٍ جديدة تقابلها تتعلم وردة معنى جديداً. جمال الحياة بالنمو.

وما إن تمضي فترة معينة في هذا الفصل حتى تقلب الحياة أحوالها، متدرجة، من اللون إلى الذبول، من الضوء إلى الظلمة. لكن وردة تعلمت، أن الحياة فصول وأحوال، وأن تعيش فصول الحياة خير لها من أن تنتظر الربيع، لأن عمق الحياة يكمن في لحظاتها، وانتظار الربيع يفقد الوردة جمال الحياة الذي تفوته في كل فصل.

وردة عادت وحيدة، فالأمطار اقتلعت صديقاتها الورود. لكن وردة عرفت أن وحدتها ليست إلا خوف من مواجهة الحياة. أدركت أنها في الحقيقة في اجتماع دائم مع الشمس والشجر والأرض والورق، بل وحتى السناجيب التي طالما كانت تخافها وجدت أنها تأتي للاستمتاع معها فحسب.

وردة ما عادت تخشى مواجهة الحياة. فما كانت تراه مظلماً صارت تراه ساكناً، وما كان مخيفاً صار وديعاً، وما كان خريفاً صار محطة مليئة بالحكمة والتجربة والإتحاد. أدركت وردة أن فصول الحياة ليست إلا محطات، أن فصول الحياة في الحقيقة ليست إلا الحياة ذاتها!

بهذه الروح صارت وردة تحب الحياة، وليس صورتها عن الحياة. في كل ربيع صارت تقابل أجمل الوردات، وفي كل خريف صارت تجالس ذاتها في سكون وامتنان. إنها صارت تدرك أن الحياة تتحرك في دورات فصلية، وفي كل دورة، تصبح وردة أكثر جمالاً. لمَ لا تحب وردة الخريف كالربيع إذاً؟ باتت وردة تحب جميع الحياة!

* أود تقديم شكر خاص لإنسان عزيز إلى قلبي، ألهمني بتطوير وكتابة هذه القصة. لك المحبة الخالصة من روح هذه الوردة.

Advertisements

Responses

  1. يا الله قصة عميقة جدًا
    كلنا هذه الوردة لكن قليل من يملك معرفتها
    “انتظار الربيع يفقد وردة جمال الحياة الذي تفوته في كل فصل”
    > هذه الجملة تكفي لتوصل معنى عميق جدًا انوي تبنيه في حياتي
    شكرًا جزيلًا يا صديق

  2. قصة قصيرة لكن فعلا مؤثرة وطريقة كتابتك رائعة. شكرا سعد .

  3. “أدركت وردة أن فصول الحياة ليست إلا محطات، أن فصول الحياة في الحقيقة ليست إلا الحياة ذاتها!” ما أبلغ ما سطرت هنا! رائعة!

  4. ودّى ان اكتب كثيرا تعليقا على هذه القصة الرمزية .. هى رائعة .ز رائعة بحق فى سلاستها وعمق فكرتها ؛ شكرا جزيلا سعد .. استمر ونحن فى انتظار كل ما يأتى بع وعيك .. دمت بخير

  5. قصة جميلة ذكرتني بالوردة في فصل في بداية كتاب New Earth

  6. […] via قصة قصيرة: وردة — رسالة طيبة […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: