Posted by: Saad Aldousari | يناير 28, 2015

أدوار الحياة، بين الفيضانية والوحلية

muddy_margins-597x400

كلهم يريدون أن يشكلوك، أن يقولبوك، أن يسحبوك لخدمة أجنداتهم، التي غالباً ما يكونون غير واعين بها أصلاً. انتبه. لا تستجِب إلا لنداء قلبك. اتبع روحك وستجلب لك بركة الحياة وسكونها.

إن الحياة بطبيعتها تمنحنا أدواراً، وظيفية، أسرية، واجتماعية. كل ما تنتمي له فأنت تؤدي من خلاله دوراً تفاعلياً، فيه من الأخذ والعطاء ما يمكن للحياة أن تتدفق فيه. لكن، تذكر أنك أعمق من تلك الأدوار، أنك أنت الذات الواعية المجربة. ولمَ تنتبه لذلك ولم يعدُ مهماً؟ لأن الأدوار قد تبعدك عن ذاتك، تغيبك عن نفسك، وقد تميتك أحياناً!

بعض الأدوار قد تنقلب إلى فيضانات، تربكك، تجرفك، تجعلك شيئاً ما، نشطاً متحركاً لكنه ليس أنت. إنها تبعدك عن ذاتك. وكيف تعي بنفسك وأنت في فيضان؟ من الصعب ذلك. وكلما انجرفت أكثر كلما انشغلت أكثر في مصارعة الأمواج، كلما صرت مهووساً، مجنوناً، منشغلاً بالنجاة من الغرق.

إنها تجعلك مجنوناً فعلاً. قد تغضب على الحياة، قد تكره، قد تكتئب، وقد تشعر أنه ليس لك سلطان في أمرك. بسبب ذلك، صار من المهم جداً أن تنتبه أنك لست ذلك الدور، ولا ينبغي أن تفرض على نفسك التزاماً إذا كان يبعدك عن نفسك. ومتى ما أدركت ذلك، كل الأمواج تختفي.

وهل يعني ذلك أن نبتعد عن أدوارنا في الحياة؟ هل يعني ذلك أن نهرب من تجربتنا الإنسانية التي أتينا لأجلها؟ لو ابتعدنا عن أدوارنا، فإن ذات الموجة العارمة الفيضانية أعادت تشكيل نفسها وسيطرت عليك مرة أخرى. الفرق أنها أصبحت الآن وحلاً، بحيرة راكدة يملؤها الطين والأغصان الميتة الغائرة في أعماقها. إن ذات الموجة التي جعلتك مجنوناً، هنا جعلتك في نوم عميق، سبات، ركود لا واعٍ، انفصال عن الحياة. إنها جعلتك أقرب ما تكون إلى الموت.

إن الأدوار هي مياه الحياة التي تسري فيك. ومن ينكرها كمن ينكر تجربته الإنسانية، فليست التجربة إلا دورٌ نعيشه. ولكن بين الجنون والنوم، أنت روح الحياة التي تعبر عن نفسها من خلال تلك الأدوار. بين الانتماء واللاانتماء جِد تلك المساحة التي تعبر فيها عن نفسك بشكل صحي. بين الموجة الفيضانية والبحيرة الطينية، ادفع بقاربك إلى ضفة النهر، الذي يمشي بسلاسة وارتكاز. رحلة الحياة متعتها وحكمتها في التدفق السلس، لا في الانجراف ولا في الركود. ولا بأس من موجةٍ بين الحين والآخر، ولا بأس من ركود بين الحين والآخر.

وبذلك يا حبيبي أنت ربان القارب، لا تدخل في بحرٍ لجي، ولا تركن إلى وحلٍ متراكم. تحصل على بركة الحياة وسكونها في الرحلة ما دمت منتبهاً لقيادة قاربك، مستمتعاً بسريانه، متناغماً مع حركته المتدفقة.

* كتبتها في ١ فبراير ٢٠١٤ من ضمن سلسلة أسميتها “رسائل إلى نفسي”.

Advertisements

Responses

  1. فبراير الماضي كانت تلك الكلمات إليك..
    فبراير هذا العام تلك الكلمات رسالة إلى نفسي..
    كم نحن بحاجة إلى منبه مابين الحلم واليقضه، مابين الوعي واللاوعي، مابين الوجود واللاوجود..
    ومابين الغرق والتيه في البحر اللجي والوحل المتراكم، تأتي كلماتك كـ منبه وإشعار لوضعية كل من يقرأها في أمر ما..
    عظيم.. استمر

  2. فكرة واضحة وسلسة ، وعميقة..
    أذكر أنني قرأت في كتاب عنوانه (presence) أننا نحن البشر كخلايا ضمن أعضاء (هي مجتمعاتنا) فلو تخلى أحد منا عن هويته ودوره لصار خلايا سرطانية..
    والسؤال الذي أطرحه على نفسي أين ينتهي الدور ويبدأ الدخول في البحر اللجي؟
    راجياً الحكمة لي ولك وللقارئ

  3. شكراً من القلب
    أهدي هذا المقال الى نفسي وصديقتي الطيبة
    اريج 🌹🍒


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: