Posted by: Saad Aldousari | مايو 20, 2013

المخلّص المنقذ

angelLight

الفراغ الداخلي

داخل كل إنسان هناك فراغ موحش، شعور بالضياع، وحاجة لملء قلوبنا. لا أحد ينكر ذلك، ولا أحد يريد أن يظهره كذلك. نحن نميل إلى تغطيته بمسميات وأقنعة. الدينيون يدعون أنهم في نعيم. الملحدون يدعون أنهم أحرار. الماديون يدعون أنهم سعداء. “الروحانيون” يدعون أنهم في سلام. وكل ذلك مجرد تسميات تغطي الاضطرابات العميقة في الداخل.

كائنات طاقية

نحن كائنات طاقية تتغذى على الطاقة. أي سلوك نقوم به، نحن نفعل ذلك لكسب طاقة داخلية (غالباً على شكل مشاعر طيبة). لأننا نحتاج أن نملأ الفراغ بالداخل، نحن طورنا بلا وعي طرقاً لكسب الطاقة. مثلاً، جذب انتباه الآخرين، إثبات أننا على حق، شعورنا بالفوقية والتميز على غيرنا، الخ؛ كل هذه الأشياء تجلب لنا طاقة. والأنا ذكية في إيجاد الطرق لامتصاص الطاقة لنفسها. طرقاً مشروعة، صحية، أم سيئة؟ الأنا لا تهتم، هي تريد الطاقة فحسب. المفارقة أن الأنا تحب أن يطلق عليها لقب “روحانية” لأن ذلك أيضاً يغذيها بالطاقة.

اللاوعي

الأشياء والأشخاص يعطونا جرعات قليلة من الطاقة، ولكنها غير قوية وصحية كفاية لأن تملأنا. إنها أشبه بالحبوب المهدئة. ولكننا مع ذلك نتغذى عليهم بلا وعي. اللاوعي مضر، لأنه يمتص طاقة الآخرين، وبدون وعي منهم أيضاً! إنه ذاته اللاوعي الذي جعلنا نطلق على العلاقات المريضة “حب”؛ الأحكام الدينية العنصرية “حقيقة”؛ والفوقية والانعزال “روحانية”.

على مر العصور والعقود نمت حاجتنا إلى ملء الفراغ في الداخل، حتى صارت فكرة المخلّص هي السائدة، بل أصبحت هي المصدر التقليدي لحصولنا على الطاقة. ولذلك أصبحت حيواتنا مجرد انتظار لشخص/شيء ما هنالك في المستقبل ليأتي. فكرة المخلّص تجسدت في عدة هيئات، أحياناً دينية (المسيح/المهدي)، أحياناً في العلاقات (فتى الأحلام، العاشق المثالي)، وأحياناً أخرى مادية (منزل الأحلام أو ثروة العمر). أصبح الناس يسعون جاهدين للوصول إلى ذلك الحبيب الخيالي (وأحياناً “الجورو”، المعلم الروحي) الذي سيملأ قلوبهم، ويردهم إلى غايات حيواتهم المفقودة، ويحول حيواتهم من جحيم الاكتئاب إلى التنوير والسلام المطلق.

الواقع المر

للأسف لا يوجد أحد “هناك” يستطيع أن يملأ ذلك الفراغ. لا يمكن للفراغ الداخلي أن يُملأ من الخارج، إنه يمكن أن يُشبع فقط من الداخل. وحده نضج الوعي مع الرياضة الروحية الذي يمكنه أن يملأ الفراغ بطريقة صحية، راسخة وحقيقية.

ليس مزيداً من العمل هو ما سيجلب لنا الإشباع الروحي. ليس مزيداً من التعاليم هو ما سيجعلنا مستنيرين. إنه الوعي بإدراكنا. إنها رؤية الرائي، ومشاهدة الفاعل، والمراقبة من غير حكم. إنه اللا-افتراض، اللا-توقع، اللا-ادعاء. إنه الحضور. وإنها النية الصادقة العميقة في تحويل التجربة الداخلية، ليس بتغيير عناصر التجربة، ولكن بتغيير المجرب ذاته.

* هذه المقالة ترجمة لمقالتي (The Saviour Out There) في مدونتي الإنجليزية.

Posted by: Saad Aldousari | ديسمبر 28, 2012

أن تكون أصيلاً

photo 3

الإبداع يقدره الجميع، وهو يعتبر قيمة عالية، ومع ذلك نجد أغلب الناس يرونها ككمالية وليست حاجة ماسة في الحياة. مصطلح “الإبداع” ذاته ارتبط بالمخترعين والعلماء والفنانين وبعض رواد التجارة، ولكن جوهر الإبداع أعمق من مجرد ذلك.
نظرياً الإبداع يتطلب الحرية من القيود. عملياً، يتطلب حرية نفسية من القيود الخارجية/الاجتماعية، مثل النظم الدراسية وشروط العمل والضغوط المجتمعية والأعراف العامة. نتيجة تلك الحرية هي الإبداع، أو بعبارة أخرى، النتيجة هي فرد أصيل.
لو كنا عفويين، واعين، وأحرار من البرمجة، سوف نكون مبدعين بالطبيعة. إنها ليست شيئاً نكسبه ولكنه أحد أوجه حالتنا الطبيعية. ولكن المجتمع بمعناه الواسع كان أعظم عثرة للإبداع. المجتمع يعلمنا أن نكون “الشخص الأول”؛ الطالب المتميز، الموظف المثالي، الفتاة الأجمل، والشخص الأكثر احتراماً وتقديراً في العائلة. المجتمع يعلمنا أن نكسب احترام الآخرين دائماً؛ أن نتصرف بطرق معينة حتى نكون صورة محترمة، أن نسعى لوظائف معينة حتى نكسب برستيجاً عالياً، أن نتزوج أناساً معينين حتى نشرف عوائلنا.
على أن ذلك له ميزة للمجتمع في وجه من الأوجه، إلا أنه يدمر الفرد في الوجه الآخر. كلما وضع المجتمع معايير أكثر لمن يجب أن نكون وما يجب أن نفعل، كلما فُقد الفرد. الجوهر الأصيل فينا سوف يختفي مع الوقت، حتى نصل إلى نقطة يختفي فيها الفرد تماماً، ونصبح مجرد آلات تعمل لصالح ما يسمى بالمجتمع.
الشخص المبدع متمرد. المبدعون لا يسعون لبناء صورة لامعة لأنفسهم؛ إنهم يريدون أن يعبروا عن أعمق أصواتهم، بغض النظر عن كيفية نظر الناس لهم.
نصيحة اليوم: هناك العديد مثلك ممن يحبسون أعمق رغباتهم، وأغلى أحلامهم، وأجن طموحاتهم، ويعيشون حياة باردة مزيفة. إنه الوقت الآن أن ترجع إلى نفسك، أن تكون أصيلاً وتنطلق!

* هذه المقالة ترجمة لمقالتي الإنجليزية في مجلة TheCITY عدد ديسمبر ٢٠١٢.

Posted by: Saad Aldousari | نوفمبر 2, 2012

الأنا والنضج الروحي

الوعي مفهوم روحي، يتعدى المعرفة التقليدية التي تعتمد على تراكم المعلومات كأساس لزيادتها وتضخمها. الوعي واللاوعي كالنور والظلام. الوعي هو سعة الإدراك للداخل؛ إدراك الأفكار والرغبات والمشاعر والنوايا العميقة للنفس، والوعي يشمل كذلك الإدراك للخارج؛ إدراك المعلومات والمعارف العقلية. في ظلام اللاوعي تغييب كامل للحقيقة الكامنة، هروب من أي ثغرة تعري للنفس حقيقتها، عدم مواجهة للمخاوف والتناقضات والجروح القديمة، وكنتيجة، لا تطور، لا عمق، لا تجربة، لا حياة.

أكبر معيق للوعي، وبالتالي للنضج الروحي، هي الأنا.

الأنا ذكية؛ إذا كانت تستطيع أن تبرر القتل على أنه قربة إلى الرب، يسهل عليها تبرير رغبة الفوقية والعنصرية والندية على أنها جهاد للدين والوطن والعائلة، يسهل جداً عليها تبرير رغبة التفوق والتميز والفخر على أنه طموح شريف وخدمة نبيلة للعالم. ويا له من مسكين ذلك الإنسان الذي صدق وهم الأنا وبنى كامل حياته عليه. يا لهم من مساكين، مهما كانت شهاداتهم ومناصبهم، لو كانت جميع طموحاتهم تغذية لتلك الأنا التي لا تشبع. تلك الأنا المشوهة للوجود، تلك الأنا التي تحسد وتغتر وتتباهى، تلك الأنا المنزعجة المتطلبة النهمة، تلك التي تقتات على جذب الانتباه من الآخرين..

ماذا لو كان مصدر جميع رغباتي وأسئلتي وبحثي وطموحاتي حاجة أنانية؟ ماذا لو غلفتها باسم الدين والمبادئ والقيم حتى أُخفِت صوت الوعي؟ ماذا لو كانت كل حياتي هروباً من أسئلة وجودية عميقة؛ من أنا؟ إلامَ أسعى؟ ما خطب كل الحياة؟.. ماذا لو كانت جميع أنشطتي وأهدافي “النبيلة” هروباً من مواجهة هذه الأسئلة العميقة في داخلي؟ ماذا لو كان كل ما عملت هو مجرد تخدير للوعي، وتغذية لرغبات الأنا الواهية من جذب انتباه الآخرين وكسب ودهم وإعجابهم؟ الأنا حتماً لا تريد أن تواجه هذه الأسئلة.

من أعظم الإدراكات الروحية إدراك أن الأنا التي طالما وصفنا بها ذواتنا هي ليست ذواتنا الحقيقية. الأنا تريد؛ تريد انتباه الآخرين لها، تريد التميز عليهم، تريد التملك، تريد الانتصار. ‪وهذه الإرادات ليست نابعة من روحك وإنما هي مشاغبة أنانية‬‫.‬

في اللاوعي إما خنوع تام للأنا أو مقاومة وحرب معها، وكلاهما يغذيها ويضخمها. في اللاوعي حرب مستمرة مع الآخرين، خوف دائم من كشف وتعرية العيوب، سعي دائم لتحسين الصورة الخارجية، استماتة لكسب الآخرين، والنتيجة نفس مضطربة متعبة.

الوعي يذيب الأنا، ولكن يحتضنها. في الوعي هناك توجد مساحة السلام التي ترى الأشياء بوضوح على حقيقتها. في الوعي يعرف الإنسان نفسه، يدرك تماماً عيوبه وغباءه وسطحيته، ومع ذلك يدرك مسؤوليته، يرى نفسه من الأعلى، ويوجهها، كالأم الحنونة التي تعرف أن طفلها لن يفهم الدرس بالكلام ولكن بالتدرج في التجربة والخطأ، وبالحب والقبول، وبالاحترام والمساندة لذلك الكائن الراقي في رحلته في الارتقاء والتطور.

Posted by: Saad Aldousari | أكتوبر 25, 2012

نحن واحد

العمل على مستوى المشاعر سر عظيم من أسرار الكون. في نهاية المطاف، نحن كائنات شاعرية أكثر من كوننا كائنات عقلانية. في الحقيقة في الحقيقة، وبدون فلسفات وتعقيدات، كل ما يريده الإنسان هو أن يشعر بشعور طيب. ذلك كل ما في الحياة. في العمق، الحياة هي رحلة المشاعر. كلما عشت المشاعر العالية أكثر كلما عشت الحياة، فعلياً.

لو انكشف لنا حجاب المشاعر لصدمنا بالحقيقة! سنرى المهرج المكتئب، والمفكر الضائع، والعالِم الذي يفتقد الحب، ورجل الدين الذي يتوق للشهرة، وسنرى الفقير المبتهج، والفقير المعترض، والغني السعيد، والغني المحتاج.. لو كُشف لنا حجاب المشاعر لرأينا أن العالم في حاجة إلى أبسط المشاعر. خلف قناع القوة والهيبة، سنرى الحاجة المريعة للحب والاحتضان والتفهم.

خلف طبقات متراكمة من الزيف والتقنع، هناك تكمن حقائقنا. خلف طبقات من الفكر والأيديولوجيات، هناك تكمن حقائق وجودنا. السؤال الوجودي الأعظم: من نحن؟ والإجابة عليه هي: ماذا نشعر في هذه اللحظة؟ نحن اللحظة. نحن ما نشعره الآن.

يا ترى كيف تشعر الإنسانية؟ ما الذي يغلب علينا؟ توتر وحروب داخلية؟ ذلك ما يعكسه واقعنا على أية حال. ولذلك، لماذا لا نتواضع ونكون صادقين؟ لماذا لا نبني عالما شفافاً نعرض فيه حاجاتنا وعيوبنا بلا خجل وبلا شفقة؟ لماذا لا نتعاون على أن نعيش بحب؟

إنها مسؤولية عظيمة، مسؤولية إنسانية، أن نكون في سلام، لأن كل الوجود يعتمد على ذلك. الوجود كلٌّ واحدٌ، مرتبط متناغم ومنسجم.

لنشعر بالسلام والحب، ولننشر السلام والحب.

نحن واحد في النهاية. نحن واااحد.

Posted by: Saad Aldousari | أكتوبر 6, 2012

الوعي

الوعي هو الوجود الكلي الذي يأخذ أشكالاً عدة ويهب الحياة لتلك الأشكال، مكوناً الكائنات الحية. كل الكائنات تطورت من مصدر واحد. من بذرة الوعي خُلقت الحياة.

أخذت هذه الفكرة من ديباك تشوبرا، ووجدتها عميقة روحياً وذكية فكرياً كذلك.

قبل أن يتخذ الوعي شكلاً، سواء كان ذلك الشكل مجموعة من البكتيريا، أو إنساناً، أو حوتاً، أو كوكب الأرض؛ كان بلا شكل. أتخيله كأنه موجات من الطاقة المجردة. طبيعة الوعي التي يعيشها الفرد تعتمد على مرحلة وعيه. بالنسبة لوعي نبتة، فهي تعي فقط المحسوسات المادية البدائية كالضوء والماء. لو انتقلنا إلى وعي نملة، فسنجدها تعي الرؤية والحركة، وتعي الضوء والحرارة، وتعمل بنظام، وتعيش في مجتمع طبقي (ملكة وجنود وعاملون..). أما وعي الإنسان (أو هومو سابيان، بالمصطلح البيولوجي) فهو يعد من أعلى الكائنات وعياً. فالإنسان يعقل المفاهيم، ويتحدث اللغات، ويؤدي الفنون الجمالية المختلفة، ويقود الحضارات. الفكرة أعمق من ذلك، فنحن لا نتكلم عن تطور الفصائل البيولوجية فحسب، لأن الوعي يسكن في كل شيء، بما فيه الماء، والهواء، والكائنات التي لم نكتشفها بعد.

الوعي هو البُعد الافتراضي الذي تحدث فيه النوايا، البُعد المقدس الذي لا يحده زمان أو مكان. ومتى ما أُطلِقت نية في ذلك البُعد—وهذا يحتاج إلى درجة من الوعي لفعله—دخلت في مراحل التجلي. النوايا تصنع الحياة. كل الإرادات تتجلى، ولكن بمراحل زمنية مختلفة، اعتماداً على درجة ارتباطها وعمقها بذلك البُعد. هناك زرافة، قديمة جداً، أرادت أن تطول رقبتها، وأخذت هذه الرغبة آلاف السنوات حتى تحققت. وكل الوجود يعمل بهذا النظام. الإرادات التي لم تتحقق لابد وأنها كانت ضعيفة، وأنها غير متصلة بعمق بذلك البُعد الافتراضي.

محترفو اليوغا وممارسو التأمل يسعون للاتصال بذلك البُعد، حيث هناك يعرفون الحقائق العميقة عن أنفسهم. كلمة يوغا في اللغة السنسكريتية القديمة تعني ‘الإتحاد’ أو ‘التواصل’. وهذه هي الغاية من التأمل. في الحقيقة، هذه هي غاية الحياة. غايتنا الحقيقية هي أن نخلق بوعي (مع التحفظ على مصطلح الخلق. “تبارك الله أحسن الخالقين” القرآن الكريم). والوسيلة لأن نكون في تلك الحالة المنسجمة هي أن نكون حاضرين في ذلك البُعد من الوعي النقي. عندما نكون متصلين، نشعر بالسلام والحب والبهجة، لأن تلك الحالة هي حالتنا الطبيعية التي هجرناها. عندما نقع في الحب، أو نسعد لأننا حققنا شيئا، أو عندما نضحك بين الحين والآخر؛ نشعر بومضات من تلك الحالة الأصيلة، بينما في الواقع يجب أن نكون طوال الوقت في تلك الحالة، واعون بحقائقنا الداخلية، صانعون لحيواتنا بوعي، يملؤنا شعور الوحدة، الحب، البهجة، والبركة.

كلما تعمقت معرفة الإنسان بهذه الحقيقة أكثر، كلما صار فاعلاً ومؤثراً في الوجود. ولا تُعرف هذه الحقيقة إلا من خلال التجربة، فهي ليست معرفة فكرية/عقلية، وإنما معرفة وجودية.

(هذه المقالة ترجمة لمقالتي في مدونتي الإنجليزية هنا.)

Posted by: Saad Aldousari | أبريل 20, 2012

حوار مع الرومي

في لحظات من الوحدة والمكاشفة، في لحظات تأنيبٍ وهروب، في لحظات روعٍ وأسى وظلام..

– تعال..

– …

– تعال..

– أنا؟

– لا يهم من أنت.

– أنت لا تعرفني.

– لا يهم من أنت، ولا إلى أي طريقٍ تنتمي. تعال.

– كيف آتي وقلبي يحمل كل ذلك الزيف..

– لا يهم من تكون؛ عابر سبيل، ناسك، أو عاشق للحياة. تعال. تعال.

– سقطتُ كثيراً وفشلتُ كثيراً..

– تعال، لا مكان لليأس هنا.

– عاهدت نفسي وأخللت. إنها ليست المرة الأولى..

– تعال حتى إن كنت أخللت بالتزامك وعهدك ألف مرة.

– هل ترى فيني النور؟

– فقط تعال، لنتكلم عن الله.

– هل ترى فيني الحب؟

– تعال.

– أنا آتٍ..

– تعال.. تعال..

– أنا آتٍ.

– تعال..

“تعال. تعال. لا يهم من أنت. ولا إلى أي طريق تنتمي، ولا من هو أستاذك. تعال، لا يهم من تكون؛ عابر سبيل، ناسك، أو عاشق للحياة. تعال. تعال. تعال فلا مكان لليأس هنا. تعال حتى إن كنت أخللت بالتزامك وعهدك ألف مرة. فقط تعال، لنتكلم عن الله. تعال. تعال.” جلال الدين الرومي

Posted by: Saad Aldousari | مارس 31, 2012

لماذا لا تتحقق الأهداف؟

هناك أسباب عديدة لعدم تحقيق الأهداف، أحدها عدم عيش الحاضر، أي الغياب في الزمن، إما حزن وإسقاط على ماضي أو قلق وتخوف من مستقبل. من يعيش الحاضر يحقق النتائج. ومن الأسباب كذلك وضع أهداف كبيرة وخطوات صعبة للوصول لها. الحل: وضع خطوات صغيرة وسهلة والتركيز عليها فقط والاستمرارية في تنفيذها. ومن الأسباب الغريبة أيضاً لعدم تحقيق الأهداف، الانشغال طوال الوقت بتحقيقها. الحل: وجود أوقات لفراغ الذهن وصمت الأفكار وفعل اللاشيء.

ومن الأسباب الرئيسية لعدم تحقيق الأهداف هو عدم تحديدها من الأساس. وفي حال تحديدها، عدم وجود رغبة حقيقية وراءها. وهذا خلل في وضوح القيم الشخصية للفرد. وهنا نقطة غاية في الأهمية. يتخفى الكثير منا بقيم وهمية مثل خدمة الدين أو نهضة الأمة أو التضحية للأهل، وهو في الحقيقة يعاني من عدم وضوح في القيم الحقيقية العميقة. هو يشعر بالتحرج في الإعلان لنفسه أن أحد أكبر قيمه أن يكون سعيداً. كيف يحقق السعادة والعالم في سواد وحروب؟ الناس في مآسي؟ الأخبار السيئة على الدوام؟ لا يمكنه أن يكون سعيداً، أو في الحقيقة، لا يريد أن يكون سعيداً في وضع كهذا، لأنه قد يوصف بالأنانية أو الانسلاخ عن أخيه الإنسان.

لا بأس أن تكون قيمة المتعة من أكبر قيمك. في الحقيقة قد يكون ذلك مفيداً جداً لك وللعالم كله. إذا صارت من قيمك المتعة والسعادة والسلام ستحقق أكثر للعالم، وستجلب متعة وسعادة وسلاماً أكثر لك ولمن حولك!

الهدف صورة، والقيمة معنى. من الغباء تحقيق أهداف بدون تحقيق القيم ورائها. ليس المهم ما تحقق، المهم ما يحققه الشيء في داخلك، من سعادة وغنى روحي وبهجة. أي هدف لا يخدم سعادتك هو هدف غير نابع من روحك العميقة وإنما من صوت الأنا فيك (الإيجو). اطرح الطموح جانباً واسعَ للقيمة الحقيقية. عندما ترغب في تحقيق المزيد، اسأل نفسك لماذا؟ غالباً ما سيكون ذلك صوت الأنا المضطربة (الإيجو). المزيد لا يحقق الاكتفاء. اسعَ للقيمة الصحيحة. عندما ترغب في تغيير الآخرين أو صناعة نجاح باهر، اسأل نفسك لماذا؟ الإنجاز لا يعالج النقص الروحي. اسعَ للقيمة الصحيحة.

لا تحقق أهدافاً عمياء، خالية من القيمة. اسعَ لسعادتك. اسعَ للقيمة الصحيحة.

Posted by: Saad Aldousari | مارس 19, 2012

النية والصمت

أي فكرة تطرأ على بالك موجودة ومخزنة في عقلك الباطن. آلاف الأفكار تطرأ على الذهن في الدقيقة الواحدة. الخطير هو أن واقعك انعكاس لعقلك الباطن. أي شعور، أي انطباع، أي فكرة، أي تصور، أي إعلان تراه، أي خبر تقرأه، أي تعليق تسمعه، كل ذلك يتخزن فوراً في عقلك الباطن. ولذلك انتبه لما يدخل. كل ما تعمقت الفكرة انطبعت في العقل الباطن وبالتالي انعكست على الواقع. كيف تتعمق؟ بالتكرار وبمصاحبتها لمشاعر.

الواعي ينتبه للأفكار ويعيش دور المراقب لها. هذا هو التأمل باختصار. المتأمل الماستر يستطيع أن يختار أي فكرة يريدها ويفصل نفسه عن كل ما سواها. لكن الإيجو يعمل على شغلك بالأفكار دائماً، في الحقيقة لا يهمه نوعيتها، ما دمت مشغولاً فأنت لست في حالة وعي، وبالتالي لا تستطيع أن تنوي!

من خلال ممارسة التأمل، وهو رياضة عقلية تعتمد على مراقبة الأفكار بدون التمسك بها والانقياد ورائها، يستطيع الإنسان أن يصل إلى السكون والصمت. ومع ممارسة التأمل بشكل عميق يصل الإنسان بروحه إلى حالة الصمت، وفي هذه الحالة يقرر ويختار وينوي بوعي، ويستطيع كذلك أن يعي بأفكاره التي تشغل عقله وهو غير واعٍ بها، وبالتالي يعي بنفسه ونواياه، وبالتالي يعي بواقعه.

أثناء التأمل يعيش الإنسان حالة من السكون والسلام العميق، وفيها يكون منفصلاً عن الإيجو بدلاً من أن يعتبره هوية له، ويراقب الأفكار من الأعلى. المتأمل يعيش حالة وعي، ليس بالضرورة بإغماض عينيه جالساً، وإنما في كل موقف وفي كل مكان؛ في السيارة وأثناء الحديث مع شخص أو اللعب مع طفل..

الواقع نتيجة النية. النية تُصنع في الصمت. الوعي هو تراكم الاتصال مع الصمت. بقدر ما تتصل روحك في الصمت بقدر ما تصنع واقعك.

Posted by: Saad Aldousari | يناير 19, 2012

بين جمود التخطيط وعفوية الحياة

التخطيط كلمة مرعبة لدى البعض، ومقيدة للحرية والعفوية، وفي أحسن حالاتها صعبة التحقيق.

دعونا ندردش قليلاً حول مفهوم التخطيط ضمن منظومة التنوير والوعي.

التخطيط باختصار يعني وضع خطة. الخطة تحوي أهدافاً ومساراً (استراتيجية) للأهداف وزمناً لتحقيقها. هذا بالمفهوم الإداري على الأقل. بإسقاط هذه المفاهيم الإدارية على الفرد؛ موارد الفرد هي جسده وعلمه ومهاراته وتجاربه وماله ونفسيته، وأهداف الفرد في الحقيقة هي نواياه وإراداته.

لماذا يعتبر التخطيط مهماً؟ لأنك إذا كنت بلا تخطيط فإنك تعيش ضمن مخططات الآخرين! حياة بلا نوايا وأهداف هي حياة بلا وعي.

أحياناً نخاف من كلمة هدف، لأننا تبرمجنا على أن الأهداف شيء صعب التحقيق. وحتى نكسر هذه البرمجة ونعود عقلنا اللاواعي على التحقيق، يمكن أن نضع أهدافاً صغيرة، صغيرة جداً، ونحققها ونكافئ أنفسنا بعد ذلك.

وحتى نكسر قناعاتنا السابقة عن التخطيط ورعب وضع الأهداف التي تحد من حريتنا، يمكننا أن نتلاعب مع عقلنا اللاواعي بتغيير التسميات. بدلاً من أن تقول هدف، قُل نية. بدلاً من أن تقول خطة، سمها مسار. الفكرة ببساطة هي أن تكون محدداً فيما تريد.

خلال سعيك للأهداف سيقوم عقلك اللاواعي بالمراوغة؛ سوف يدعوك أن تضع أهدافاً كبيرة حتى يقر على برمجته السابقة أن الأهداف لا تتحقق. الحكمة أن تضع أهدافا صغيرة، تعززها بالنية وإيمانك بالقيم التي تحققها ثم تشرع بتحقيقها، وتبارك ذلك التحقيق بالمكافأة والشعور الطيب.

لكننا نواجه تطرفان في مسألة التخطيط، والحقيقة أن كلا الطرفين له أسبابه السيكولوجية الشخصية ومبرراته المنطقية والعقلية؛ الفئة الأولى تخطط لدرجة تفقد فيها عفوية الحياة، والفئة الأخرى لا تخطط وبالتالي تفقد إرادتها في تحقيق الأشياء. الفريق الأول يقول أن وضع الأهداف يقيدني ويحد من حريتي ويربك لحظتي، وهو محق وصادق، والفريق الآخر يقول أن وضع الأهداف يجعلني أعيش ما أريد فعلاً وليس ما تفرضه علي الظروف، وذلك صحيح.

ما الحل؟ أن نجمع القيمة التي يتميز بها الطرفان؛ أن نعيش حياتنا بعفوية وحرية، وكذلك أن نحافظ على الوعي بنوايانا وأهدافنا. أحد أسرار التخطيط: فقط عندما تركز على أهدافك سوف ترى الفرص. الفرص موجودة، لكنك لن تراها ما لم تحدد ما هدفك!

كيف نفهم التخطيط في مقياس الوعي؟ في خلال تطور الإنسان على مقياس الوعي، يجب أن يبدأ بتحديد النوايا والأهداف، منطلقاً من قناعة أنه مسؤول عن حياته، وأن باستطاعته تحقيق الأشياء. ربما يتكلف ذلك في البداية، لا بأس من التكلف هنا لأنه ضروري حتى يحرك عجلة تحقيق الأشياء.

ما إن يتعود الإنسان على تحقيق الأشياء، حتى يصل إلى مرحلة القبول، حيث يذوب فيها التوتر والرغبة المضطربة في تحقيق الأشياء. هنا هو يحقق الأشياء بسجية وسلاسة، يصبح التحقيق جزءاً من طبيعته، ولكنه ما زال يخطط ويجد صعوبة في المحافظة على تركيزه في مسيرة تحقيق الأهداف.

أما في مراحل الوعي العالية، فهنا لا يحتاج الإنسان إلى خطة، لأنه يعيش قيَمه بأعلى مستوياتها، ويحقق ما يريد بشكل تام. هنا يعيش الإنسان المستنير في وعي خالص بانسجام مع قيمه ورسالته ونظام الكون.

Posted by: Saad Aldousari | ديسمبر 13, 2011

التأمل والتنوير

يقال أن أول ٢٠ سنة من عمر الإنسان يقضيها مبرمجاً من الوالدين والمجتمع والهيئات الإعلامية والدينية، ويحتاج ٢٠ سنة أخرى لتفكيك هذه البرمجة. من خلال الصمت والتأمل، تُفتح للإنسان أنوار البصيرة، يكتشف فيها حقيقته العارية.

نحن مملوؤون بالبرمجة والتراكمات الانفعالية المأسورة، وما يزيد هذه التراكمات هو انشغال عقلنا بالأفكار اليومية العشوائية. التلفزيون والأغاني واللعب والخروج مع الأصدقاء أشياء تساعدنا في الحصول على مشاعر من التوازن الوهمي، لكنها في الحقيقة فقط مسكنات. الحل دائماً في المواجهة.

من خلال الالتزام بالتأمل بشكل منتظم، سوف تكتشف تلك الأغوار المظلمة في نفسك، سوف ترى نواياك وارتباطاتك ومشاعرك الحقيقية بشكل واضح. لا تتراجع ولا تيأس إذا رأيت مدى بعدك عن النور، في الحقيقة، وعيك بذلك قد يكون أثمن ما تملك في هذه الحياة. معظم الناس مغيبون، مبرمجون، أشباح. لا بأس، مع التأمل، شيئاً فشيئاً سوف تتجلى لك حقائق نفسك، وحقائق علاقتك بهذا الوجود.

سوف تدرك أنك لم تأتِ هنا لتغير شيئاً. الكون منظومة متناسقة في قمة التوازن. متى ما حاولت أن تقاوم هذه المنظومة تسببت في خلل داخل نفسك. سوف ترى الوجود بطريقة مختلفة؛ سوف ترى الناس، كل الناس، على أنهم معلمين. سوف ترى كل حدث على أنه رسالة. سوف تدرك أن ما يحصل لك هو ما تحتاجه فعلاً.

قد تأتي لك فكرة أن الحياة صعبة، لأنك ستدرك أن غايتك أن تكون النور وسط الظلام، الناجي وسط الغرقى، المستقيظ وسط النائمين. لكن ما إن تصل إلى هناك، سوف تحقق أعلى مراحل الوعي الإنساني، من السعادة والنور والحب، لأنك هناك سوف تكون قد ارتبطت بالإله.

« Newer Posts - Older Posts »

التصنيفات